الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٣٩ - دور الأسرة في التربية
قال النبي (ص) : « الناس معادن ، كمعادن الذهب والفضة » [١].
الأطفال الممتازون :
وهكذا نجد أن بعض الأطفال يولدون مع صفات وخصائص معينة لا توجد عند الأطفال الاعتياديين. فربما يوجد العقل والادراك والذكاء والفطنة ، الحافظة وسرعة الانتقال ، الشهامة والسيطرة على النفس ، وقسم آخر من الصفات في بعض الأفراد بصورة أكثر من المعتاد. ويختلف العظماء والنوابغ في العالم من حيث البناء الطبيعي عن بقية الأفراد. وإن النجاح الذي أحرزه كل منهم في ميدانه في أثناء حياته يعزى إلى الدقة المعمولة في خلقهم وبنائهم. وعلى سبيل الشاهد ننقل قصة أبي زكريا التبريزي تلميذ أبي العلاء المعري وقد تلمذ على يده سنوات عديدة. ولما كان أبو العلاء مكفوف البصر فلقد كان لا يستطيع القراءة. وفي أحد الايام كان أبو زكريا يقرأ لأبي العلاء كتاباً له في مسجد المعرة وفي الأثناء حضر مسافر من تبريز إلى الجامع ليصلي ، فسر أبو زكريا لرؤيته كثيراً وتوقف عن قراءة الكتاب لعدة لحظات فسأله الاستاذ عن السبب ، فأخبره بمجيء صاحبه. فأمره أبو العلاء بأن يذهب إليه ويتحدث معه فقال له : أمهلني أكمل الصفحة ، فقال : لا ، وسأنتظرك حتى تنهي حديثك. فجلس أبو زكريا مع صاحبه على بعد خطوات من أبي العلاء وأخذ يتحدث معه باللغة المحلية ويسأله عن بعض القضايا فيجيبه. وعندما رجع إلى استاذه سأله : أي لغة هذه؟ قال : لغة آذربايجان! فقال : إني لم أفهم ما تداول بينكما من حديث ، ولكني حفظت ما قلتماه ، وأعاد جميع الألفاظ بلا زيادة أو نقصان. فتعجب صاحب أبي زكريا من حافظة أستاذه بشدة ، وكيف أنه حفظ تلك الألفاظ بسرعة دون أن يفهم معانيها [٢].
[١] البحار ج ١٤|٤٠٥.
[٢] ينقل القصة بكاملها صاحب ( قاموس دهخدا ) الفارسي عند ترجمة ( أبي العلاء المعري ) ص ٦٣٦.