بحوث فى علم النفس الفلسفي - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٣ - المقدمة
هو مراد إمام المتقين علي ٧ في قوله: «المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين». توضيح ذلك: «أن طريقي النظر إلى الآفاق والأنفس وإن كانا نافعين جميعاً، غير أن النظر إلى آيات النفس أنفع، فإنه لا يخلو من العثور على ذات النفس وقواها وأدواتها الروحية والبدنية، وما يعرضها من الاعتدال في أمرها أو طغيانها أو خمودها، والملكات الفاضلة
أو الرذيلة والأحوال الحسنة أو السيئة التي تقارنها.
واشتغال الإنسان بمعرفة هذه الأمور والإذعان بما يلزمها من أمن أو خطر، وسعادة أو شقاء، لا ينفكّ من أن يعرّفه الداء والدواء من موقف قريب، فيشتغل بإصلاح الفاسد منها والالتزام بصحيحها، بخلاف النظر في الآيات الآفاقية فإنه وإن دعا إلى إصلاح النفس وتطهيرها من سفاسف الأخلاق ورذائلها وتحليتها بالفضائل الروحية، لكنه ينادي لذلك من مكان بعيد.
هذا مضافاً إلى أن النظر في الآيات الآفاقية والمعرفة الحاصلة من ذلك نظر فكري وعلم حصولي، بخلاف النظر في النفس وقواها وأطوار وجودها والمعرفة المتجلّية منها، فإنه نظر شهودي وعلم حضوري. والتصديق الفكري يحتاج في تحقّقه إلى نظم الأقيسة واستعمال البرهان، وهو باق مادام الإنسان متوجّها إلى مقدّماته غير ذاهل عنها ولا مشتغل بغيرها، ولذلك
يزول العلم بزوال الإشراف على دليله وتكثر فيه الشبهات ويثور فيه الاختلاف. وهذا بخلاف العلم النفساني بالنفس وقواها وأطوار وجودها فإنه من العيان، فإذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آيات