بحوث فى علم النفس الفلسفي - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣٦٧ - النافد عند النافد باق عند الباقي
سواه تعالى قبل الإيجادهل هو وجود واحد أم لا، وإنما متعدد النشآت؟ فعلى الأوّل يلزم أن تكون الذات الإلهية مادّية وسيّالة، لأنّ العلم الذاتي صفة ذاتية هي عين الذات، وزيد المادّي حاضر للذات لأنّ علمه تعالى حضوري وليس علماً حصولياً، وأما إذا كان وجود زيد في العلم الذاتي غير وجود زيد المادّي لما كان علمه تعالى مطابقاً للواقع تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلابدّ أن يكون الوجود هو الوجود لكن مع اختلاف النشأة الوجودية. إذن هو هو بعينه مع اختلاف في النشأة الوجودية والذي يجرّ اختلافاً
في الأحكام، فزيد المادّي هو زيد في مرتبة العلم الذاتي إلّا أنّ الأوّل سيّال مادّي بينما الآخر غير سيّال وغير مادّي، والأوّل عَرَضٌ أو جوهر بينما الثاني لا جوهر ولا عرض، والمادّي ممكن بينما الآخر واجب، وهذا كالوجودين الذهني والخارجي وكالأعمال، فإنّها في نشأتنا أعراض بينما هي جواهر في نشأة الآخرة، وَمَا نُنَزِّلُهُ إلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ننزّله هو لكنّه في هذه النشأة ذو قدر بينما لا قدر له في نشأة الخزائن التي هي عنده تعالى، وبالتالي فإذا حفظت الحقيقة حقيقة الإنسان التي هي نفسه فلا أهمية تُذكر للبدن، إذ لا دور له في تقويم الحقيقة، فقد يتألّم زيد مع سلامة بدنه، وقد يتنعّم على سآمته.
لذا فعندما يقول النبي ٦: «أوّل ما خلق الله نور نبيّكم ثم خلق منه كلّ خير»، ليس المقصود به الوجود المادّي الخارجي، وإنما أوّل ما خلق هو الحقيقة المحمّدية ثم راحت تنتقل من نشأة إلى أخرى.