بحوث فى علم النفس الفلسفي - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣٧٤
بحياة النبات وهو مجهّز بما يوهّله لتلك الحياة، بيد أنّه مع ذلك مزوّد بأجهزة أخرى ليست ضرورية لحياته النباتية.
للجنين عيون وآذان وأرجل وأيدٍ وغيرها، ولو كان النظام العام لخلق الجنين يقضي بانتهاء دورة حياته في الرحم لصارت هذه الأجهزة عبثاً، فهذه الأجهزة تشير لتجلّيات أخرى، وإنّ هذه الأعضاء ستعبّر عن تجلّيها الواقعي في محيط آخر، تؤدّي فيه العين وظيفة الرؤية والأذن السمع وهكذا.
ما يريد أن يقوله القرآن في الحقيقة هو أنّ ثمّة في صميم خلقتكم وذاتيتها عالم ما بعد الموت، فأنتم الآن تنطوون على وجود برزخي وأخروي بالقوّة، واستعداد الرجوع إلى الله موجود في الأشياء جميعاً، ولو لم تكن هذه العودة
لما كان الخلق هكذا، بل لاكتسب شكلًا آخر. كأنّ القرآن يريد أن يقول: إنّكم ترون جانباً من وجودكم ولا تنتبهون إلى الجانب الآخر، إنّكم ترون وجودكم الذي يتحرّك بهذا الاتّجاه وتظنّون أنّه ينتهي في هذا المنحدر غير ملتفتين إلى أنّ لهذا الانحدار حركة صعودية أخرى وعودة إلى الله كامنة ... إنّ قوله تعالى: أفَحَسِبْتُمْ أنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأنَّكُمْ إلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ[١] يريد أن ينبّهنا لوجودنا، فلو لو تكن هذه الرجعة لله لما كنّا نحن نحن، ولما خُلقنا، ففي ذاتية وجودنا استعداد وقوة هذا الرجوع»[٢].
[١] - المؤمنون: ١١٥.
[٢] - المعاد، للعلّامة المرحوم مرتضى مطهري: ص ١٢٨ ١٢٧، ترجمة: جواد علي كسار، طبعة: مؤسسة أم القرى.