بحوث فى علم النفس الفلسفي - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٩٤ - المستوى الثاني التغاير بالنسبة لما هو خارج عن الحقيقة والجوهر
الحدوث بل راح يتعامل معه التعاملَ مع المسلّمات، ولعلّ هذا الوجه كان فرصةً مؤاتية ليفعل ذلك لكنّه لم يفعل، ولعلّ فيما التمسه من التوجيه لأفلاطون ما يكون
دليلًا على الحدوث، حيث يبطل المصنّف (رحمه الله) من خلال ذلك التوجيه قدم النفوس فيثبت حدوثها، فهذا الشيء المفروغ عن وجوده إما أن يكون سابقاً على البدن أو ليس بسابق على البدن وإنّما حادث بحدوثه، فإذا أبطلنا أن يكون سابقاً على البدن يثبت أنّه ليس بسابقٍ لاستحالة ارتفاع النقيضين.
وأما وجه بطلان كون النفوس قبل الأبدان؛ لأنّ النفس بما هي نفس قد أخذ في هويتها تدبير البدن، فلا نفس من دون بدن حال كونها قبله مثلًا أو بعده كذلكهو فرض لعدم النفس، فما فرضناه نفساً ليس بنفسٍ، لعدم تحقّق هوية النفس.
وما نُسب إلى الحكيم الإلهي أفلاطون من أنّ النفوس موجودة قبل الأبدان هو وجودها العقلي الذي هو الوجود الباطني لها، حيث إنّ لكلّ وجود نفسي وجوداً عقلياً قبله، والأوّل يكون رقيقةً وظلًّا وأثراً للثاني الذي هو حقيقة
وعلّة سيّما وإنّ العقل هو علّة للنفس، والعلّة هي المعلول لكن بوجود أشدّ، والمعلول هو العلّة لكنّه بدرجة ومرتبة أنزل وأضعف، وعندما يقال:" بسيط الحقيقة كلُّ الأشياء" فقد حملنا كلَّ الأشياء على بسيط الحقيقة تعالى حملَ الرقيقة على الحقيقة، حمل الظلّ والشعاع على منشئه، فكلّ الأشياء موجودة عنده بحقائقها لا برقائقها الناقصة المعلولة كما في قوله تعالى: وَإنْ منْ شَيْءٍ إلَّا عِنْدَنا