فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٩ - الفص الأول
هو تجلي الذات الأحدية لنفسها في صور جميع الممكنات التي يتصور وجودها فيها بالقوة. فهو أول درجة من درجات التعينات في طبيعة «الوجود المطلق»، و لكنها تعينات معقولة لا وجود لها في عالم الأعيان الحسية بل هي مجرد قوابل للوجود. و هذه الحقائق المعقولة، أو الصور المعقولة للممكنات هي التي يطلق عليها ابن عربي اسم «الأعيان الثابتة» للموجودات و هي شي ء أشبه ما يكون بالصور الأفلاطونية و إن كانت تختلف عنها من بعض الوجوه. و سيأتي مزيد شرح لهذه الأعيان الثابتة في مواضع أخرى.
أما الفيض المقدس- و هو الذي يوصف عادة باسم «التجلي الوجودي» أو تجلي الواحد في صور الكثرة الوجودية، فهو ظهور الأعيان الثابتة من العالم المعقول إلى العالم المحسوس: أو هو ظهور ما بالقوة في صورة ما بالفعل، و ظهور الموجودات الخارجية على نحو ما هي عليه في ثبوتها الأزلي. و ليس في الوجود شي ء يكون في ظهوره على خلاف ما كان عليه في ثبوته. هذا هو سر القدر الذي يشير إليه المؤلف في الفص السادس عشر و غيره و هو يذكرنا في بعض نواحيه «بالانسجام الأزلي» الذي يتحدث عنه «ليبنتز».
و كما قلنا إن الفيض الأقدس هو تجلي الحق لذاته في الصور المعقولة للكائنات، نستطيع أن نقول هنا إن الفيض المقدس هو تجلي الحق في صور أعيانها، فهو بذلك الدرجة الثانية من درجات التعين في طبيعة الوجود المطلق.
و قد تشير كلمة «الفيض» إلى تأثر ابن عربي بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة و نظام الفيوضات فيها، و لكن على الرغم من استعماله لكثير من مصطلحات هذه الفلسفة و أساليبها لا نزال نجد مذهبه الخاص قائماً بنفسه متميزاً عن هذه الفلسفة في أخص صفاتها. و يكفي أن نقرر هنا أن مذهب ابن عربي صريح في القول بوحدة الوجود و الفلسفة الأفلاطونية الحديثة ليست مذهب وحدة وجود بالمعنى