فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٨ - الفص الأول
فتفيض عليه روح من اللَّه عبّر عنها في قصة خلق آدم بالنفخ، و لو لا ذلك الاستعداد من المخلوق و تهيؤه لقبول الفيض الوجودي ما وُجد. فكل محل تمَّ فيه الاستعداد للوجود على نحوٍ ما، قَبِلَ روحاً إلهياً فوجد في العالم الخارجي على هذا النحو. أي أن روح اللَّه سارية في الموجودات جميعها، و ليست الموجودات الخارجية سوى صور و أشباح اتصفت بصفة الوجود بفضل سريان تلك الروح الإلهية فيها.
و قد يفهم من هذا الكلام أن ابن عربي يقول باثنينية الخالق و المخلوق أو الحق و الخلق: أو الوجود الظاهر و اللَّه. و ليس في الحقيقة أثر للاثنينية في مذهبه.
و كل ما يشعر بالاثنينية يجب تفسيره على أنه اثنينية اعتبارية. فليس في الوجود- في نظره- إلا حقيقة واحدة إذا نظرنا إليها من جهة سميناها حقاً و فاعلًا و خالقاً، و إذا نظرنا إليها من جهة أخرى سميناها خلقاً و قابلًا و مخلوقاً. و ليس على وجه التحقيق في مذهبه خلق بمعنى الإيجاد من العدم، إذ يستحيل في اعتقاده الوجود عن العدم المحض. و إنما أصل كل وجود و سبب كل وجود فيض إلهي دائم (يعبر عنه أحياناً بالتجلي الإلهي) يمد كل موجود في كل لحظة بروح من اللَّه فيراه الناظر في الصور المتعددة التي يظهر فيها. ذلك هو الخلق في اصطلاح ابن عربي: تجل إلهي دائم فيما لا يحصى عدده من صور الموجودات، و تغير دائم و تحول في الصور في كل آن. ذلك هو الذي يطلق عليه أحياناً اسم «الخلق الجديد» و يقول إنه هو المشار إليه في قوله تعالى «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ».
«و القابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس»:
القابل هو الصورة، و قوابل الموجودات صورها المعقولة التي ليس لها وجود عيني و إن كان لها وجود غيبي: فهي بهذا المعنى وجودات ممكنة أو وجودات بالقوة. و قد تكلم ابن عربي عن نوعين من الفيض الإلهي: الفيض الأقدس و الفيض المقدس، و الأول سابق على الثاني في منطق النظام الوجودي لا في الواقع، إذ الفيض الأقدس