فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٧ - الفص الأول
فخلقت الخلق فبِه عرفوني». هذا هو سر الخلق كما يقول به الحديث القدسي أو ما يدعي الصوفية أنه حديث قدسي.
فغاية الخلق إذن هي أن يرى اللَّه سبحانه نفسه في صورة تتجلى فيها صفاته و أسماؤه، أو بعبارة أخرى يرى نفسه في مرآة العالم. و ليست رؤية الشي ء نفسه في نفسه مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة لأن هذه الرؤية الثانية يعطيها المحل المنظور فيه- أي تعطيها طبيعة المرآة. ففي العالم تجلى الوجود الإلهي و بالعالم عرفت صفات اللَّه و أسماؤه أي عرفت ألوهيّته. فنحن نعرفه في أنفسنا بقدر ما نعرف من حقيقة تلك النفوس و بقدر ما يتجلى في تلك النفوس من صفات الكمال الإلهي: و هذا معنى قول القائل «من عرف نفسه فقد عرف ربه».
شاء الحق إذن أن يرى أعيان أسمائه- أي يرى تعينات هذه الأسماء في الوجود الخارجي، و إن شئت قلت أن يرى عينه إذ ليست عينه سوى ذاته المتصفة بالأسماء، فظهر في الوجود ما ظهر و على النحو الذي ظهر عليه و كشف عن «الكنز المخفي» الذي هو الذات المطلقة المجردة عن العلاقات و النسب، و لكن لم يكشف عنها في إطلاقها و تجردها، بل في تقييدها و تعينها.
و شاء الحق أن تظهر أعيان أسمائه- أو أن تظهر عينه- في صورة جامعة شاملة تحصر صفات الموجودات كلها في نفسها فخلق الإنسان، ذلك الكون الجامع الذي ظهرت فيه حقائق الوجود من أعلاه إلى أسفله كما سيتبيّن فيما بعد.
(٣) «و من شأن الحكم الإلهي ... و القابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس».
(٣) هذا شروع في وصف ما يسميه ابن عربي بالخلق، و في الحقيقة لا معنى لفعل الخلق في مذهب يقول بوحدة الوجود كمذهبه، و لكنه يستعمل كلمة الخلق و غيرها مجاراة للعرف و يقرأ فيها من المعاني ما يشاء مما يتفق و مذهبه.
من شأن الحكم الإلهي في الخلق أن يحصل التهيؤ و الاستعداد من الأمر المخلوق