فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣٢ - الفص السابع و العشرون
كما نشاهده في صورة الفاعل و المنفعل معاً في المجلى الواحد. و الحقيقة أنه لا مجال للتحدث عن الفعل و الانفعال إلا في عالم الكثرة و التعدد، و هو عالم المحجوبين الذين لا يدركون الوحدة الوجودية بين العلل و المعلولات، فيقولون هذا منفعل و ذلك فاعل، و لا يدركون ذوقاً أن الفاعل و المنفعل عين واحدة فرَّقت بينهما المراتب. و لكن إذا كان لا بد لنا أن نتكلَّم بلسان الكثرة الذي هو لسان العقل- لا الذوق- و إذا كان لا بد أن نتحدث عن مشاهدة الحق في الصور، و هو «لا يشاهَدُ مجرداً عن المادة أبداً»، إذ تستحيل مشاهدة ذاته. فيصح أن نقول إن الحق يشاهَدُ في الوجود بصورة الفاعل و بصورة المنفعل، كما يشاهَدُ بصورة الفاعل المنفعل و هو أكمل مشهد له.
(١٠) «و أعظم الوصلة النكاح و هو نظير التوجّه الإلهي على من خلقه على صورته ليخلفه».
(١٠) أعظم اتصال جسماني بين الرجل و المرأة هو النكاح، و فيه يتوجه الرجل لإيجاد ولد يكون على صورته و يخلفه من بعده. و لذلك شبّه به توجه اللَّه إلى خلق آدم و نفخه فيه من روحه ليكون على صورته و يخلفه و يرى فيه نفسه.
و لكن هذا التشبيه يصدق أيضاً على توجُّه الحق أزلًا إلى الظهور بمظهر الخلق في صورة العالم الخارجي. فالإنسان حق و خلق، و العالم حق و خلق و الحق في كل منهما هو الروح المدبر لصورته، و الخلق هو تلك الصورة التي يدبرها الروح.
و إلى ذلك الإشارة بقوله تعالى «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ»: أي من أعلى مراتب الوجود إلى أسفلها، لأن الأرض أسفل عالم العناصر. ففي كل مرتبة من مراتب الوجود يدبر الحقُّ الخلقَ: أو الباطنُ الظاهِرَ، و إن كانت الحقيقة أنه هو الحق الخلق و الظاهر الباطن، لأن التنزلات في مراتب الوجود ليست إلا تعينات و شئوناً للذات الإلهية الواحدة.
و لما فسر النكاح على هذا النحو، أي على أنه ازدواج شيئين لإنتاج ثالث، أو