فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣٠ - الفص السابع و العشرون
حبه بربه لا بأي شي ء آخر أياً كان ذلك الشي ء. و تكلَّم في هذه الفقرة عن الوصلة التي في المحبة و ما يصاحبها من عموم الشهوة و فناء الرجل في المرأة و وجوب الاغتسال بعد ذلك. و قد استعمل في الفقرتين لغة الرمز و الإشارة فتعقدت بذلك عباراته و صعب اقتناص معانيه. و من الغريب أن أحداً من شراح الفصوص لم يشر إلى هذه الرمزية و لم يحاول صرف الفص عن ظاهره، مع أنه يكاد يكون من المستحيل فهم النص على ظاهره إلا إذا اتهمنا ابن عربي بمادية شنيعة لا تتفق مع روح مذهبه. و الذي أعتقده أنه يستعمل كلمة «المرأة» هنا رمزاً للدلالة على أي موضوع محبوب، و «الشهوة» رمزاً على الرغبة الملحة في الحصول على المطلوب، و «وصلة النكاح» رمزاً على الاتحاد الصوفي، و «الاغتسال» رمزاً على الطهارة الروحية. و إذا كان الحق هو عين كل محب و محبوب، و كانت غاية كل محب الاتصال بمحبوبه و الفناءَ فيه و التلذذ بقربه، لزم أن يكون الحق هو المحبوب على الإطلاق، و المتلذذ به على الإطلاق، و لزم ألّا يفنى محب إلا فيه، و ألّا تطلب «وصلة النكاح» إلا به. أما أولئك المحجوبون الذين يقولون بوجود الغير و السوي، فينظرون إلى المرأة و إلى كل ما هو موضع للذة و الشهوة، على أنها مصادر مستقلة للذاتهم. و لهذا أُمر الإنسان بالاغتسال بعد الجماع، أي أُمر بتطهير نفسه من كل شوائب الغيرية بعد الجماع البدني، لتكون نفسه أكثر قبولًا و أعظم استعداداً للجماع الروحي، و التحقق بوحدة المحب و المحبوب، و الفناء في المحبوب الواحد مهما تعددت صوره و مجاليه: ذلك الفناء الذي أشار إليه بعضهم بقوله:
|
صح عند الناس أني عاشق |
غير أن لم يعرفوا عشقي لمن |
|
و مفتاح الرمزية في هذه الفقرة قول ابن عربي «فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره»: أي أن الحق يأبى أن يُحَبَّ شي ء إلا إذا كان هو عينَ ذلك المحبوب، كما يأبى أن يعبد شي ء إلا إذا كان هو عين ذلك المعبود: أي أنه استأثر بالحب و العبادة لنفسه. و كيف لا يستأثر بهما و ما سواه شي ء، و ما غيره