فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١١٦ - الفص التاسع
التي ظهر فيها. أي أن العالم- أو ما سوى الحق- معلول في صورته لا في ذاته، إذ ذاته هي ذات الحق. فهو من هذه الناحية مفتقر افتقاراً كلياً إلى اللَّه، أو بعبارة أدق إلى الأسماء الإلهية، لأنها هي التي تعطي الوجود الخارجي صُوَره بتجليها فيه. و لذا قال: «و لا سببية للحق يفتقر العالم إليها سوى الأسماء الإلهية». فالعالم مفتقر في وجوده إلى اللَّه بهذا المعنى إذ لا وجود له من ذاته، و قد وهم من أثبت له وجوداً غير وجود الحق، كما وهم من أثبت للظل وجوداً غير وجود العين التي امتد منها الظل.
و لكن للعالم افتقاراً آخر بعضه إلى بعض، و هو الافتقار النسبي. و ذلك أن الموجودات يتصل بعضها ببعض داخل العالم اتصالا علياً و يؤثر بعضها في بعض و يتأثر به. فهناك إذن نوعان من المعلولية: معلولية العالم في جملته:
و معلولية أجزاء العالم بافتقار بعضها إلى بعض. و لكن إذا أدركنا أن مذهباً كمذهب ابن عربي يرجع كل ما هو فعل و علية إلى الحق، و كل ما هو انفعال و قبول و معلولية إلى الخلق، عرفنا أن ذلك الافتقار النسبي ليس إلا اسماً على غير مسمى، و أن الفاعل على الإطلاق و العلة على الإطلاق هي الحق.
أما الحق فإن نظرنا إلى ذاته قلنا إنه غني على الإطلاق، و إن نظرنا إليه من حيث أسماؤه قلنا إنه مفتقر إلى العالم في إظهار كمالات هذه الأسماء ... و هذا معنى قوله:
|
فالكل مفتقر ما الكل مستغني |
هذا هو الحق قد قلنا لا نكني |
|
(الفص الأول) غير أن العالم أيضاً قد يوصف بالغناء بمعنى أن بعض أجزائه مستغن عن البعض الآخر من وجه و إن كان مفتقراً إليه من وجه آخر. فالعالم (أي بعض أجزائه) يوصف بالغناء في الوجه الذي لا تكون به حاجة إلى غيره. و هذا معنى قوله «و اتصف العالم بالغناء: أي بغناء بعضه عن بعض من وجه ما هو عين ما افتقر إلى بعضه به»