فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١١٤ - الفص التاسع
إلى الحقيقة الوجودية من حيث ذاتها التي لا كثرة فيها بوجه من الوجوه. فهي تتعالى حتى عن الكثرة الاعتبارية العقلية التي هي كثرة الاتصاف بالأسماء. فهي غنية لا عن أعيان العالم فحسب، بل و عن الأوصاف أيضاً.
و يستوي في الحقيقة أن نقول إن من وقف مع الكثرة كان مع العالم و مع الأسماء الإلهية كما قال، أو أن نعكس القضية فنقول إن من وقف مع العالم و مع الأسماء الإلهية كان مع الكثرة لأن كلًا من الطرفين لازم عن الآخر. كما يستوي أن نقول كما قال «و من وقف مع الأحدية كان مع الحق من حيث ذاته»، و أن نعكس فنقول «و من وقف مع الحق من حيث ذاته كان مع الأحدية»: و ذلك للسبب عينه.
و كل من قال بالكثرة وحدها محجوب لأنه لا يرى سوى وجه واحد من الحقيقة و كذلك كل من قال بالوحدة دون الكثرة. لأنه لا يرى سوى الوجه الآخر من الحقيقة. أما العارفون بالأمر على ما هو عليه فيرون الوحدة في الكثرة و يشاهدون الحق في الخلق، و يقررون وحدة الحق بعد أن يتحققوا أن الخلق لا وجود له في ذاته و لا من ذاته.
و هذه معان عرض لها المؤلف فيما مضى مستعملًا لغة أخرى. راجع مثلًا قوله في التنزيه و التشبيه في الفص الثالث.
(١١) «و ظهرت الكثرة بنعوته المعلومة عندنا» (١١) قد يفهم هذا بمعنى أن الكثرة ظهرت في الذات الإلهية الواحدة لتجليها في الأسماء و النعوت الإلهية التي نعرفها، أو بمعنى أن الكثرة ظهرت لظهور الذات بالأوصاف المعلومة فينا: أي لظهورها في صور الممكنات و صفاتها. و يظهر أن هذا أقرب إلى مراده بدليل قوله فيما بعد «فنحن نلد و نولد و نحن نستند إليه و نحن أكفاء بعضنا لبعض» و غير ذلك من الصفات التي هي صفات للخلق و لكن في ذات الحق. أما الذات نفسها فغنية عن كل هذا و لذا صدق فيها قوله