فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٥ - فاتحة الكتاب
فأشار إلى العلم بأحدية الطريق الأمم. و الطريق الأمم في مذهبه هو الطريق الواحد المستقيم الذي تؤدي إليه الأديان كلها مهما اختلفت عقائدها و تعددت مذاهبها، و ليس هذا الطريق سوى وحدة الوجود و وحدة المعبود. إذ ليس في الوجود سوى اللَّه و آثاره، و لا معبود إلا هو مجلى من مجالي المعبود على الإطلاق، المحبوب على الإطلاق، الجميل على الإطلاق و هو اللَّه. هذا هو دين الحب الذي أشار إليه ابن عربي في قوله:
|
أدين بدين الحب أنَّى توجهت |
ركائبه فالدين ديني و إيماني |
|
و فيه يقول أيضاً:
|
عقد الخلائق في الإله عقائداً |
و أنا اعتقدت جميع ما عقدوه |
|
«ممد الهمم من خزائن الجود و الكرم».
المراد بالهمة الإرادة و هي الإقبال بالنفس في حال جمعيتها و التوجه إلى اللَّه و التهيؤ لقبول فيضه. فأحوال الصوفية أحوال إرادية لا صلة لها بالإدراك العقلي المنطقي، و الفيض يمد همة الصوفي لا عقله. أما المراد بخزائن الجود و الكرم فقد يكون أحد أمرين:
الأول: العلم الباطن أو الغيبي الذي قال الصوفية إنه يفيض عليهم من مشكاة خاتم الرسل، و بذلك يكون محمد صلى اللَّه عليه و سلم أو الحقيقة المحمدية أو روح محمد مبدأ كل كشف و إلهام و مصدر كل علم باطني، و هذه بالفعل ناحية من نواحي نظرية ابن عربي في الكلمة.
الثاني: أن المراد بخزائن الجود و الكرم الأسماء الإلهية المتجلية في الموجودات على اختلاف أنواعها. فمحمد يمد المخلوقات بها لأنه هو وحده المظهر الكامل لها جميعها- و بذلك استحق اسم عبد اللَّه، و اللَّه اسم جامع لجميع الأسماء الإلهية- و لأن محمداً أو حقيقة محمد واسطة الخلق و حلقة الاتصال بين الذات الإلهية و المظاهر الكونية. فهو بمثابة العقل الأول في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة و بمثابة المسيح في الفلسفة المسيحية و بمثابة «المطاع» في فلسفة الغزالي. هذه أيضاً ناحية من نواحي نظرية المؤلف في «الكلمة».