فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٤ - فاتحة الكتاب
و الأولياء بهذين الاسمين و إنما يسميهم «الكَلِم» جمع كلمة و معناها عنده الإنسان الكامل أي الإنسان الذي حقق في وجوده كل معاني الكمال الإلهي، و تجلت فيه كل الصفات الإلهية فأصبح من أجل ذلك أحق الموجودات بأن يكون خليفة اللَّه في كونه- لا في أرضه فحسب. و ليست هذه الكلم سوى الأنبياء و الأولياء و إن كان كل موجود من الموجودات كلمة من كلمات اللَّه لأنه المظهر الخارجي لكلمة التكوين. «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (س ١٨ آية ١٠٩).
و المراد «بالكلَم» هنا و في سائر فصول الكتاب بوجه أخص حقائق الأنبياء و الأولياء لا أشخاصهم، و على رأسهم جميعاً «الكلمة» التي هي الحقيقة المحمدية.
و للمؤلف نظرية خاصة في هذا الموضوع سنعرض لها في مواضعها من الكتاب.
و يذهب القيصري في شرحه على الفصوص (ص ٢) إلى أن لفظ «الكلمة» متصل بلفظ النَّفَس، و كما أن الكلمات التي نتلفظ بها ليست إلا تعينات في ذات النفس الذي يخرج من أجوافنا، كذلك ليست كلمات اللَّه إلا تعينات في النفس الرحماني الذي يطلق عليه متصوفة هذه الطائفة اسم جوهر الوجود. و لكن نظرية ابن عربي في الكلمة أعمق من هذا و أبعد غوراً، و هي كما سنرى نظرية معقدة تمت بصلات وثيقة إلى نظريات أخرى في الفلسفة اليونانية و الرواقية و اليهودية. (راجع أيضاً مقالتي عن نظريات الاسلاميين في الكلمة بمجلة كلية الآداب بجامعة فؤاد سنة ١٩٣٤).
و من خصائص «الحكمة» التي أشرنا إليها أنها تنزل على القلوب لا على العقول، و لهذا قال «منزل الحكم على قلوب الكلم»، و في هذا تمييز صريح لها عن الفلسفة التي هي نتاج عقلي صرف. فالقلب عند الصوفية هو محل الكشف و الإلهام و أداة المعرفة و المرآة التي تتجلى على صفحتها معاني الغيب.
ثم أراد المؤلف أن يذكر حكمة من هذه الحكم التي تنزل على قلوب الكلم