فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٤٣ - الفص السابع و العشرون
فإذا انتهت هذه المناجاة و صدق فيها العبد و كان حاضر القلب مع ربه، رآه: أي تجلى له في قلبه. فإن من لم يظفر برؤيته في عين بصيرته يحاول أن يتمثله في قبلته عند مناجاته. قال عليه السلام: «اعبد اللَّه كأنك تراه».
و من لم يظفر برؤية الحق في صلاته لم يبلغ الغاية منها، و لا كانت له قرة العين التي أشار إليها النبي في حديثه: «و جعلت قرة عيني في الصلاة». و من لم يحضر في الصلاة مع ربه، فليس بمصلّ أصلًا. فأكمل أنواع الصلاة ما كان فيها حضور للعبد مع ربه، و حصلت له فيها الرؤية و السمع، فكان صاحبها ممن «أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ». و إذا وصل العبد إلى هذا المقام غاب عن نفسه، و عن كل ما سوى اللَّه، و ذلك هو الفناء الصوفي. و إلى هذا المعنى أشار بقوله: «و ما ثم عبادة تمنع من التصرف في غيرها سوى الصلاة». و هو أيضاً المقام الذي لا تصدر فيه عن العبد فاحشة: أي ما يسمى فاحشة، لأن العبد في مقام لا يخاطف فيه بالتكاليف التي تفرق بين الطاعة و المعصية، إذ يتحقق العابد في هذا المقام بأن الأفعال كلها للَّه و أنه ليس له من الأمر شي ء، بل ليس له من الوجود حظ. و هذا هو تأويل أصحاب وحدة الوجود لقوله تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ» (العنكبوت آية ٤٥).
(٢٠) «و ليس إلا مشاهدة المحبوب التي تقر بها عين المحب: من الاستقرار إلخ».
(٢٠) قرت العين تَقَر بالفتح و الكسر قُرة و قروراً بردت و انقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوقة إليه، وقر بالمكان يَقِرَ بالفتح و الكسر أيضاً قراراً و قروراً و تقرّة ثبت و سكن به كاستقر. و قولهم كذا من الأشياء قرة العين مراعى فيه المعنى الأول دون الثاني. و لكن ابن عربي فسر كلمة «قرة» الواردة في الحديث: «و جعلت قرة عيني في الصلاة» بالمعنى الثاني أي من الاستقرار، فأصبح معنى الحديث: و جعلت عيني مستقرة في الصلاة لا تتحول عن المحبوب الذي أشاهده فيها و لا ترى غيره لانتفاء وجود ذلك الغير. و قوله: «فلا تنظر