فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣٣ - الفص السابع و العشرون
توجُّه نحو الإنتاج أيّاً كان نوع ذلك التوجه، ظهرت صلة النكاح بالتثليث الذي ذكره من قبل، و تبين أن النكاح ليس إلا التثليث معبراً عنه بعبارة أخرى، و أنه، كالتثليث، أساس كل خلق و كل إيجاد، و أنه هو المسمى نكاحاً في عالم الصور العنصرية، و همةً في عالم الأرواح، و ترتيب مقدمات في عالم المعاني.
فالنكاح في عالم العناصر هو الاتصال بين ذكر و أنثى لإنتاج النسل، و قد يصدق على اتحاد عنصرين أيّاً كانا لإنتاج عنصر ثالث. و النكاح في عالم الأرواح هو التوجه الإلهي نحو الطبيعة و فتح صور العالم فيها: و النكاح في عالم المعاني هو الإنتاج العقلي، أو توليد النتيجة من المقدمات في القياس المنطقي. كل ذلك في الفردية الأولى: أي في أول الأعداد الفردية الذي هو الثلاثة، فإن التثليث مبدأ الخلق و مبدأ الفيض الوجودي، كما هو مبدأ الإنتاج في كل عالم من العوالم. و لكن التثليث في ذاته عاجز عن الفعل، و هو لا يفعل إلا إذا وجدت حركة بين عنصرين من عناصره لإنتاج العنصر الثالث، و هذه الحركة هي التي سماها نكاحاً.
(١١) «و كما نزلت المرأة عن درجة الرجل ... نزل المخلوق على الصورة عن درجة من أنشأة على صورته».
(١١) استمر في تشبيه الصلة بين الحق و الخلق بالصلة بين الرجل و المرأة، لأن كلًّا منهما مظهر للصلة بين الأصل و فرعه. و المرأة أقل درجة من الرجل. قال تعالى:
«وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» (سورة البقرة آية ٢٢٨). و كذلك الخلق الظاهر بصورة الحق أقل درجة من الحق في ذاته. و الظاهر أنه لا يريد «بالمخلوق على الصورة» الانسانَ الذي قال إن اللَّه خلقه على صورته، بل العالم الأكبر.
فبالرغم من أن العالم صورة كاملة يتجلى فيها الحق بجميع كمالاته الأسمائية و الصفاتية، لا يزال في المرتبة، لا في الحقيقة، دون الحق متميزاً عنه. فإن الحق من حيث ذاته واجب الوجود لذاته غني عن العالمين، أي غني عن كل صلة و كل إضافة إلى