فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٨ - الفص السابع و العشرون
الكشف و الوجد و هو الفناء الصوفي، و فيه يلقى العبد ربه بتحققه أنه عينه، و مشاهدته إياه في جميع مجالي الوجود. و يسمى هذا الموتُ الموتَ الإرادي، و هو مقام الفناء عند الصوفية، أي فناء الصوفي عن نفسه و كل ما يتصل بها مما يقوم حجاباً بينه و بين ربه.
(٦) «فلما أبان أنه نفخ فيه من روحه ... إلى قوله فيما كان به الإنسان إنساناً» (٦) يشرح في هذه الفقرة الطبيعة المزدوجة للإنسان مستنداً إلى قوله تعالى في خلق آدم: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ»^ (سورة الحجر آية ٢٩، سورة ص آية ٧٢). فلآدم (الجنس البشري) جسم طبيعي عنصري مؤلَّف من الأركان الأربعة، أو من الأخلاط على حد قوله، لأن الأركان لا تصير أعضاءً في البدن إلا بعد أن تتحوَّل أخلاطاً. و في الإنسان أيضاً روح يدبر جسمه، و هو النفس الإلهي الذي نفخه اللَّه في صورة آدم. فالنَّفس هنا (المعبر عنه بالنفخ) كناية عن الروح الإلهي المنفوخ به في آدم. و لكن النَّفَس الإلهي أو الروح الإلهي نوراني، فلما نفخ به في آدم، تحوَّل إلى نار بسبب ما في الجسم الانساني العنصري من الرطوبة. و لهذا ظهر الروح الإلهي في الإنسان في صورة النار لا في صورة النور، و عنه ظهر فيه الروح الحيواني الذي من خصائصه الحياة و النمو و الحركة و الحس إلخ. و لكن الروح الإلهي له مظهر آخر في الإنسان و هو النطق، لأن الإنسان ليس كائناً حياً حساساً فحسب، بل هو كائن ناطق أيضاً.
و خلاصة القول أن حقيقة الإنسان من حيث هو إنسان حقيقة نورية إلهية، و لكن طبيعته نارية من حيث هو جسم قَبِلَ الروح الإلهي المنفوخ فيه. و الطبيعة الأولى خفية باطنة، و هذا معنى قوله: «فبطن نَفَسُ الحق فيما كان الإنسان به إنساناً» و أما معنى قوله: «فلو كانت نشأته طبيعية لكان روحه نوراً»، فالمراد بالنشأة الطبيعية النشأةُ غير العنصرية كنشأة الأفلاك و الملائكة. فلو كان جسم آدم من