فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٧ - الفص السابع و العشرون
الأصل، يشتاق إلى نفسه في مرتبة التقييد التي هي مرتبة العبد.
فالحب موجود على الدوام متبادَل بين الحق و الخلق. و الشوق و الحنين و اللقاء موجودة على الدوام أيضاً، لأن الحق دائم الظهور في صور الخلق، يدفعه إلى ذلك الحبُّ الكامن فيه نحو ذلك الظهور. و الخلق دائم الفناء يدفعه إلى ذلك الحبُّ الكامن فيه نحو التحلل من الصور و الرجوع إلى الأصل. هذه هي دائرة الوجود، أولها حب و فراق، و آخرها حب و تلاق، و محور الدائرة «الحق» و محيطها ما لا يحصى عدده من مجالي الوجود: كلٌّ يخرج من المركز، و كل يرجع إليه.
و لكن للقاء الحق معنى يفهمه كل منا بحسب منزلته و استعداده الروحي. فهو بالنسبة إلى أهل الشهود من المؤمنين لقاء يتحقق في هذه الدنيا، لأنهم قوم ماتوا عن إنّيّاتهم و تعيناتهم في هذه الدار، و تجردوا عن طبائعهم و خلعُوا هيئاتهم النفسانية و الطبيعية فأحياهم اللَّه بحياته، و شاهدوا جمال وجهه الباقي في كل شي ء. و هؤلاء لا يشتاقون إلى اللقاء، لأنهم متحققون به في عين القرب من اللَّه، و الشوق لا يكون إلا للمحروم البعيد، حيث الفراق و دوام الحجاب. و لكنهم يشتاقون إلى دوام اللقاء: أي يشتاقون إلى مشاهدة نور الجمال الحق يطلع في كل لحظة في صورة جديدة من صور الوجود، و هو شوق لا ينتهي، و ظمأ لا ينقع. و إلى هذا المعنى أشار أبو يزيد البسطامي في البيت الآتي المنسوب إليه:
|
شربت الحب كأساً بعد كأس |
فما نفد الشراب و ما رويت |
|
أما المحجوبون فهم أبداً مشتاقون إلى لقاء الحق، و هم لا يصلون إلى بغيتهم إلا بعد ارتفاع حجابهم البدني، و زوال الغواشي الطبيعية عنهم. و هذا لا يكون إلا بالموت الحقيقي: إذ بالموت تنحل الصورة البدنية و يعود الفرع إلى أصله. و لكن الموت موتان: موت طبيعي و هو لجميع الخلق بلا استثناء، و فيه يلقى العبد ربه برجوع عينه إلى الذات الإلهية الواحدة، كما يعود النهر إلى البحر الذي خرج منه. و موت أهل