فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١٥ - الفص الخامس و العشرون
و حادث لتجدد هذه الصور و اختلافها عليه، بل هو كلَّ آن في خلق جديد.
و يجب أن نلاحظ الفرق بين ما يقوله أهل السنة و الجماعة من وجود الأشياء أزلا في العلم الإلهي القديم و ثبوتها في أم الكتاب أو في اللوح المحفوظ، و بين ما يقوله أصحاب وحدة الوجود من وجود الأشياء في أعيانها الثابتة التي هي في الحقيقة عين الذات الإلهية. و قول هؤلاء الأخيرين يعتمد على نظريتهم في أن المعدوم (الذي ليس له وجود خارجي) شي ء ثابت في العدم، و هو رأي يشاركهم فيه كثير من المعتزلة و الرافضة.
(٢٢) «ثم لتعلم أنه ما يقبض اللَّه أحداً إلا و هو مؤمن ...... و أعني من المحتضرين».
(٢٢) لما فرغ من الكلام عن فرعون و أثبت بطريقته الخاصة أنه مات مؤمناً، جره ذلك إلى الخوض في الموت على الإيمان أو الكفر إطلاقاً. و قد فرق بين نوعين من الناس: من يموتون ميتة احتضار، و من يموتون ميتة فجأة أو غفلة. و الأولون يموتون على الايمان، و منهم فرعون- لأن المحتضر يكشف له عن حقيقة الأمر و يعلم ما أعد له من مكان في الجنة أو في النار، و يعلم جميع أحوال الآخرة (بالمعنى الخاص الذي يعطيه ابن عربي للجنة و النار و الدار الآخرة). و لا بد من إيمانه لأنه لا يمكن أن يبقى على الكفر و الضلال بعد أن انكشف عنه الغطاء و احتد البصر. قال تعالى:
«فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (سورة ق آية ٢٢). فلا يقبض المحتضر إلا على ما كان عليه من الايمان كما يقول الحديث «و يحشر على ما عليه مات».
يقول المؤلف «كان» كلمة وجودية تدل على ثبوت الخبر للاسم و وجوده لا في زمان خاص، و لا تدل على الزمان إلا بقرائن الأحوال. فإذا قال الشيخ كنت صبياً، أو قال الفقير كنت غنياً، دلت على الزمان الماضي. أما إذا قال اللَّه تعالى: «وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً»^، فمعناه حصول نسبة الغفران و الرحمة إلى اللَّه. فقوله يقبض على ما كان