فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٨٦ - الفص الرابع و العشرون
فيه حدود جميع الصور. و لو لم يتعجَّل موسى بإحراق العجل و حَلِّ صورته لكان مآل تلك الصورة إلى الفناء من ذاتها إذ لا بقاء للصور.
(٣) «فإن المثلين ضدان فيسخره الأرفع في المنزلة بالمال أو بالجاه بإنسانيته».
(٣) انتقل من الكلام عن تسخير موسى للعجل بإحراقه إياه، إلى الكلام عن التسخير بوجه عام. و خلاصة نظريته أن الأعلى في مراتب الوجود يسخر الأدنى.
فإذا وصلنا إلى الإنسان وجدنا أنه يسخر بعضه بعضاً كما قال تعالى: «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا». و لكن على أي نحو يسخر الإنسان الإنسان؟ في الإنسان طبيعتان: الطبيعة الانسانية و هي جهة الربوبية فيه و لها صفة الكمال، و الطبيعة الحيوانية و هي جهة البشرية فيه و لها صفة النقص. و لما كان التسخير دائماً للكامل، و التسخر دائماً للناقص، لزم أنه لا يسخر انسان انساناً من حيث انسانيته بل من حيث صفة من صفات نقصه الداخلة تحت اسم الطبيعة الحيوانية، ككونه في درجة أنزل من درجته في المال أو الجاه أو العقل أو ما شاكل ذلك. و أما قوله: «فإن المثلين ضدان». فمعناه أن انساناً و انساناً مثلان، و المثلان ضدان: لأن ما يقع فيه الاشتراك بين المثلين هو محل النزاع بينهما، و كلما كان ذلك أكثر كان النزاع فيه أشد، فلا يخضع أحدهما للآخر و لا يسخر له. و لذلك كانت العداوة أشد ما تكون بين الأقوياء و أصحاب المهن الواحدة و الطبيعة الواحدة. و إذا كان الأمر على هذا النحو، فالمسخر (اسم فاعل) دائماً هو الانسانية، و المسخَّر (اسم مفعول) دائماً هو الحيوانية: أي صفة من صفاتها.
(٤) «فالعالم كله مُسَخِّر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه اسم مُسَخَّرٍ».
(٤) ذكر أن التسخير قسمان: تسخير بالدرجة و هو تسخير مراد للمسخر كتسخير السيد لعبده، و تسخير الملك لرعاياه. و تسخير بالحال كتسخير الرعايا للملك، و كتسخير الطفل لأبويه، و تسخير الأدنى للأعلى أيّاً كانا. و هذا النوع غير مراد