فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٩ - الفص الثالث و العشرون
(٣) «و الحكمة قد تكون متلفظاً بها و مسكوتاً عنها».
(٣) قسم الحكمة قسمين: حكمة متلفظ بها كالأحكام الشرعية، و حكمة مسكوت عنها كالأسرار الإلهية المستورة على غير أهلها. و الأولى يخاطب بها العوام، و الثانية قصر على الخواص. و من هذا الباب بعينه تسربت إلى الإسلام البدع و الشناعات و جميع التأويلات التي لا يقرها الدين في قليل و لا كثير، تارة تحت ستار الكشف و الذوق، و طوراً تحت عنوان «علم الخواص» أو «علم الباطن» أو «المضمون به على غير أهله» و نحو ذلك.
و نحن هنا بإزاء مثال من أمثلة هذا الضرب العجيب من التأويل يوضح به ابن عربي الفرق بين نوعي الحكمة.
قال لقمان لابنه: «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ». فيفهم ابن عربي في هذا النص معنيين يدلان على حكمتين. أما الأول، و هو ما يدل عليه ظاهر النص، فهو أن لقمان جعل اللَّه هو الآتي بحبة الخردل مهما يكن موضعها في السموات أو في الأرض، دالًا بذلك على إحاطة علم اللَّه و قدرته، و أنه لا يوجد موجود في السموات أو في الأرض مهما كان صغيراً إلا و يعلمه اللَّه. هذه هي الحكمة المتلفظ بها. و أما الحكمة المسكوت عنها فهي أن لقمان لم يصرح بالمؤتى إليه، و لم يقل لابنه إن اللَّه يأتي بها إليك أو إلى فلان أو فلان، بل أرسل الإتيان عاماً و لم يقصره على فرد بعينه. و في هذا تنبيه على أن ما في السموات و الأرض هو الحق لا غيره:
أي فيه تنبيه على أن ما في السموات (و هو ما في العالم العلوي من الحقائق الروحانية) و ما في الأرض (و هو ما في العالم السفلي من الحقائق الكونية و الآثار المادية على اختلاف مراتبها) كل ذلك معلوم للحق، بل إنه ليس شيئاً سوى الحق.
فالحكمة الظاهرة في الآية على هذا التأويل هي أن الحق هو الآتي بالوجود