فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦٣ - الفص الثاني و العشرون
نظر ابن عربي: إذا نظرنا إليها من وجه و راعينا فيها جانب الفعل سميناها الحق، و إذا نظرنا إليها من وجه آخر و راعينا فيها جانب الانفعال أطلقنا عليها اسم العالم. و لكن الفعل و الانفعال مقولتان يخضع لهما العقل البشري في تفكيره و يستعين بهما على فهم الوجود، و لكنهما لا تعبران عن حقيقة الوجود في نفسه.
فإذا كان لا بد لنا من التمييز بين الحق و الخلق- اللَّه و العالم- فأبرز صفات الأول صفة العلية و ما يتبعها، و أبرز صفات الثاني صفة المعلولية و ما يتبعها. و إذا ورد لنا خاطر يتصل بأمر وجودي سهل علينا- على هذا النحو- أن نرده إلى اللَّه أو إلى الحضرة الإلهية إن كان فيه صفة الفعل، أو نرده إلى العالم أو الحضرة الكونية إن كان فيه صفة الانفعال، و ان كان كل أمر في الوجود لا يرد في الحقيقة إلا إلى حقيقة واحدة.
(٦) «كما كانت المحبة الإلهية عن النوافل من العبد».
(٦) شرحنا كيف يعتبر المؤلف مبدأ العلية و المعلولية أساساً الوجود بأسره، و كيف ينسب جانب الفعل إلى الحق و جانب الانفعال إلى الخلق مع أن الوجود في جوهره حقيقة واحدة. و الآن نراه يسوق مسألة الحب الإلهي الناشى ء من تعبد العبد بالنوافل شاهداً على وجود هذا المبدأ، يؤيده الحديث الوارد فيه و هو الحديث القدسي الذي يقول اللَّه فيه «ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها» إلخ. فيرى المؤلف أن في هذا الحديث إشارة إلى مؤثر (علة) و هو النوافل و متأثر (معلول) و هو المحبة الإلهية إذ المحبة الإلهية للعبد نتيجة لازمة عن تقرب العبد إلى ربه بالنوافل. و قد يبدو في ظاهر هذا الكلام تناقض لما قرره من قبل أن المؤثر على الإطلاق و بكل وجه و في كل حضرة هو الحق.
و لكن لا تناقض على الحقيقة إذا اعتبرنا أن المؤثر في صورة العبد المتقرب بالنوافل هو الحق الظاهر بهذه الصورة، لأن النوافل أفعال وجودية ظاهرة من الحق في