فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦٢ - الفص الثاني و العشرون
التفسير و لكني أفضل ما ذهبت إليه.
(٥) «فالمؤثر بكل وجه و على كل حال و في كل حضرة هو اللَّه ... إلى قوله فإذا ورد فالحق كل شي ء بأصله الذي يناسبه».
(٥) لم يذكر صراحة فاعل «ورد» مما دعا إلى غموض النص و اختلاف الشراح فيه، فإن جامي مثلًا يرى أن المراد بالوارد الآثار من الكتاب أو السنة، و يفهم العبارة على أنه إذا وردت آية أو حديث يشيران إلى ناحية التأثير، فألحقهما بالأصل الذي يناسب معناهما. و إذا وردا في شي ء يتعلق بالتأثر فألحقهما بالأصل الذي يناسب معناهما. و يرى القيصري أن المراد بالوارد الوارد الإلهي. و لعله يقصد بذلك المعنى الذي يلقيه اللَّه في القلب القاءً فيتذوقه صاحبه من غير تدبر أو تفكير: فإذا ورد مثل هذا المعنى و كان خاصاً بالله نسبه صاحب الكشف إلى أصله، و إذا ورد و كان خاصاً بالعالم نسبه إلى أصله الآخر.
و إنني أرى أنه من الممكن أن يكون المراد بالوارد كل فكرة تخطر بالبال و تتصل بالأمر الذي قال انه ينقسم إلى مؤثر و مؤثر فيه، و أن معنى العبارة أنه إذا خطرت ببالك فكرة عن أمر وجودي فأحق هذا الأمر بإحدى المقولتين اللتين أشار إليهما و هما مقولتا الفعل و الانفعال، فإن كل أمر وجودي لا يخلو عن أن يكون علة أو معلولًا فاعلًا أو منفعلًا. و يدل ظاهر العبارة على أن ابن عربي يعترف بأصلين أو مبدأين يستند إليهما الوجود: هما مبدءا العلية و المعلولية أو التأثير و التأثر، و لكن هذه الثنوية ليست سوى ثنوية صفات تتصف بها حقيقة واحدة لا انقسام فيها و لا تعدد، و ليست بحال من الأحوال ثنويةً جوهرية تفترض وجود جوهرين مختلفين متمايزين، جوهر فاعل و آخر منفعل. و ليس هناك ما يمنع القائل بوحدة الوجود أن يقول بثنوية الصفات في الحقيقة الوجودية الواحدة كما قال اسبينوزا بوجود صفتي الامتداد و العقل في الجوهر الواحد الذي هو أصل جميع الموجودات. الحقيقة إذن واحدة في