فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥٣ - الفص الحادي و العشرون
يكون قيام الرحمة بالراحم بهذا المعنى- أي لا يكون إيجادها فيه بعد أن لم تكن- إلا من صفات الإنسان الحادث، لأن الحق سبحانه ليس بمحل للحوادث، فليس بمحل لإيجاد الرحمة فيه. و مع ذلك فالحق هو الراحم على الإطلاق: أي هو مصدر كل رحمة، و لا تكون له هذه الصفة إلا على معنى أن رحمته عين ذاته كما بينا في التعليق السابق. و ها هو نص شرح القيصري على هذه المسألة الدقيقة و هو من أوضح الشروح فيها. قال: «و إنما أوجدها ليرحم بها من قامت به» أي الحق الذي أوجد الرحمة في هذا المرحوم الذي هو من أهل الكشف ما أوجدها ليرحمه بها فيكون مرحوماً، و إنما أوجدها فيه ليكون راحماً، لأنه بمجرد ما وجد أولًا صار مرحوماً بالرحمة الرحمانية، و عند الوصول إلى كمال يليق بحاله صار مرحوماً بالرحمة الرحيمية. فإيجاد الرحمة فيه و إعطاء هذه الصفة له بعد الوجود و الوصول إلى الكمال، إنما هو ليكون العبد موصوفاً بصفة ربه فيكون راحماً بعد أن كان مرحوماً. و إنما كان كذلك لأن الصفات الفعلية (أي صفات الأفعال) إذا ظهرت فيمن ظهرت تقتضي ظهور الفعل منه. أ لا ترى أن الحق إذا أعطى لعبده صفة القدرة و تجلى بها له كيف تصدر منه خوارق العادات و أنواع المعجزات و الكرامات؟ و الرحمة مبدأ جملة الصفات الفعلية إذ بها توجد أعياناً. فنسأل اللَّه (أن) يرحمنا بالرحمة التامة الخاصة و العامة»: شرح القيصري على الفصوص ص ٢٣٧. قارن التعليق الثالث على الفص السادس عشر.
(١١) «و إن كانت الرحمة جامعة فإنها بالنسبة إلى كل اسم إلهي مختلفة».
(١١) الرحمة الإلهية جامعة لجميع صفات الفعل التي يتصف بها الحق لأنها مبدأ الإيجاد كما قلنا. و لكنها تظهر في الوجود بصور مختلفة بحسب الأسماء الإلهية المختلفة، و تتعدد بتعددها. و قد سبق أن ذكرنا أن الأسماء الإلهية هي الصفات التي تتصف بها الموجودات، أو هي المعاني التي تتجلى في الوجود بصور الموجودات