فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٦ - الفص السادس عشر
حينئذ قضى لصاحب الحرث بأن ينتفع بالغنم: لبنها و صوفها و نتاجها: إلى أن يصلح حرثه: فوافق داود على حكم ابنه سليمان.
هذه هي القصة كما يرويها المفسرون، و لكن ابن عربي يعتبر حكمي داود و سليمان فيها مثالين لنوعين مختلفين من المعرفة يسمى الأول علماً و الثاني فهماً- مستنداً إلى الآية: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ».
فحكم داود كان نوعاً من العلم وهبه اللَّه إياه كما وهبه لغيره من بني الإنسان:
أو هو العلم الإنساني العادي المبني على الروية و التفكير أما علم سليمان- الفهم- فهو علم اللَّه خاصة يهبه لمن يشاء من عباده فيظهر فيهم بظهوره تعالى في صورهم، و ذلك عند فنائهم فيه و تحققهم بوحدتهم الذاتية معه. فلم يكن سليمان هو الذي أصدر الحكم بل الحق هو الذي تكلم بلسان الصورة السليمانية الخاصة و لذلك يسميه ابن عربي «ترجمان حق في مقعد صدق».
و مهما يكن من أمر القصة نفسها، بل و من أمر ما أصدره كل من داود و سليمان فيها من حكم، فإن التفرقة التي وضعها ابن عربي بين العلم و الفهم:
أو بين العقل و الذوق، تفرقة لها قيمتها في فهم نظريته الإبستمولوجية (الخاصة بطبيعة المعرفة). و من سوء الحظ أنه ساق هذه القصة مثلًا يوضح به ما يريد، لأنني لا أرى أن حكم سليمان فيها يمت إلى العلم الذوقي في كثير أو قليل على الرغم من أنه كان حكماً أدق و أكثر توفيقاً من حكم أبيه.
و أفضل من هذا بكثير المثال الثاني الذي ساقه ليوضح به الفرق بين نوعي المعرفة الآنفي الذكر، و هو مثال العلم عن طريق الاجتهاد. فإن الاجتهاد نوعان: مصيب و هو ما يأتي موافقاً لحكم اللَّه في مسألة من مسائل الدين بحيث لو تولاها اللَّه بنفسه أو أوحى في شأنها إلى رسوله لما حكم فيها بغير ما حكم صاحب هذا الاجتهاد المصيب.
و هذا النوع من الاجتهاد وقف على الكاملين من أولياء اللَّه الذين يستمدون علمهم