فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٣ - الفص السادس عشر
(١٢) «الخلق الجديد».
(١٢) بيّنا في التعليق السابق كيف فسر ابن عربي مسألة عرش بلقيس على أساس فكرته في الخلق الجديد، و لكن أمر الخلق الجديد ليس قاصراً على هذه المسألة، بل هو فكرة من أخصب أفكاره يفسر بها كثيراً من المشكلات العويصة الأخرى سواء ما اتصل من ذلك بمسائل ما بعد الطبيعة و ما اتصل منها بالتصوف. فالعليَّة و التعدد و التغير و ما إلى ذلك من صفات العالم الخارجي متصلة اتصالًا وثيقاً بفكرته في الخلق الجديد، و كذلك مسألة خلق الأفعال على أيدي العباد و بأي معنى يعتبرهم فاعلين لها و بأي معنى يعتبرهم غير فاعلين و هكذا. بل إن مسألة الخلق الجديد عنده هي مسألة الخلق إطلاقاً: يفسر بها بأي معنى يصح لنا أن نتحدث عن خلق العالم.
ليس الخلق في نظر ابن عربي إيجاداً لشي ء لا وجود له، فهذا مستحيل عقلًا و عملًا، و لا هو فعل قام به الحق في زمن مضى دفعة واحدة ثم انتهى منه، بل هو حركة أزلية دائمة، عنها يظهر الوجود في كل آن في ثوب جديد و تتعاقب عليه الصور التي لا تتناهى عدّا من غير أن تزيد فيه أو تنقص منه شيئاً في جوهره و ذاته. فالخلق بمعنى الإيجاد من العدم أو الابتداع على غير مثال سابق، و الخالق بمعنى الموجد من العدم أو المبدع على غير مثال سابق، لا محل لهما في مذهبه: و إنما الخالق عنده هو جوهر أزلي أبدي يظهر في كل آن في صور ما لا يحصى من الموجودات، فإذا ما اختفت فيه تلك، تجلَّى في غيرها في اللحظة التي تليها. و المخلوق هو هذه الصور المتغيرة الفانية التي لا قوام لها في ذاتها: أو هي الأعراض التي تتعاقب على هذا الجوهر الثابت الدائم. و في هذا تكرار لنظرية الأشاعرة في الجواهر و الأعراض و قولهم بالتجدد الدائم للأعراض على نحو ما أشرنا إليه في الفص الثاني عشر (التعليق ١٣) فما يسميه ابن عربي الخلق الجديد أو تجديد الخلق مع الأنفاس هو بعينه ما يسميه الأشاعرة تجديد الأعراض و إن اختلفت الفكرة الأساسية في المذهبين.