فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٢ - الفص السادس عشر
فيه منه في غيره من المخلوقات، و إن حكم عليه بأنه سميع أو بصير كان «الحق السميع» أو «الحق البصير» في ذلك الحاكم أظهر منه في غيره و هكذا. و كلا التأويلين يحتمله مذهب المؤلف في وحدة الوجود، و إن كان التأويل الأول أظهر.
(١١) «و أما فضل العالِم من الصنف الإنساني على العالِم من الجن بأسرار التصريف و خواص الأشياء فمعلوم بالقدر الزماني».
(١١) يشير إلى مسألة نقل عرش بلقيس إلى مجلس سليمان و ما قاله كل من العفريت و الرجل الذي عنده علم من الكتاب في ذلك. قال الأول: «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ»، و قال الآخر: «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ». و يظهر فضل الثاني على الأول- كما يقول- في القدر الزماني الذي حدده لنقل العرش. فإن زمن القيام من المكان مدة يمكن قياسها، و هي أعظم بكثير من زمن ارتداد الطرف من شي ء مرئي إلى الشخص الرائي. بل إن زمن ارتداد الطرف لحظة لا يمكن قياسها، لأن الزمان الذي يتحرك فيه البصر ليرى شيئاً من الأشياء هو عين الزمان الذي تقع فيه الرؤية مهما بعدت المسافة بين الرائي و المرئي. لهذا كان آصف بن برخيا، و هو الرجل الذي عنده علم من الكتاب، أَتم في علمه و في عمله من العفريت.
لكن ما ذا حدث لعرش بلقيس؟ هل نقل من مكانه إلى مجلس سليمان في اللحظة التي ذكرها آصف؟ يقول ابن عربي إنه لم يحدث انتقال من مكان إلى مكان، كما أن سليمان و من كان في حضرته لم يتخيلوا أنهم رأوا العرش في حين أنهم لم يروه بدليل قوله تعالى «فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي».
لم يحدث هذا و لا ذاك و إنما الذي حدث هو خلق جديد للعرش: أي إعدام له في مكانه الأصلي و إيجاد له في مجلس سليمان: كل ذلك في لحظة واحدة. و أن الذي قام بذلك هو آصف بن برخيا الذي كانت له قوة على التصرف في الأشياء و علم بخصائصها و أسرارها.