فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٠٨ - الفص السادس عشر
(٥) بعد أن شرح أن الأفعال كلها للَّه و إن ظهرت على أيدي العباد، و أن الفرق بين نسبتها إلى الحق و نسبتها إلى الخلق ليس إلا الفرق بين اسم اللَّه الباطن و اسمه الظاهر، أو اسمه الأول و اسمه الآخر، قال إن هذا علم لا يغيب عن سليمان، بل هو جزء من الملك الذي طلبه سليمان من اللَّه حيث قال «وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي» و لم يكن ذلك المُلْك شيئاً خاصاً به دون غيره، بل كان مُلكاً منحه اللَّه أناساً قبل سليمان و بعده. و لكن سليمان وحده اختص من بين سائر الخلق بالظهور به في عالم الشهادة. فقد منح اللَّه سليمان قوة التصرف في الكائنات حيها و ميتها، إنسها و جنها و هي قوة منحها غير سليمان من قبله و من بعده. و لكنه وحده كان مأموراً من اللَّه بالظهور بها لأن اللَّه أعطاه الخلافة الظاهرية و هي المُلك: و هذه من مستلزماته.
(٦) «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ حتى الأسماء الإلهية: أعني حقائق النسب، فامتَنَّ عليها بنا».
(٦) النسب هنا هي النسب بين الحق و الخلق أو بين الواحد و الكثير- اللَّه و العالم.
و ليست هذه النسب سوى الأسماء الإلهية- لا مجرد الألفاظ الدالة على هذه الأسماء، بل حقائق الأسماء. و من رحمة اللَّه الامتنانية التي وسعت كل شي ء رحمته بهذه الأسماء بأن حقق وجودها عن طريق وجود مظاهرها و مجاليها و هي العالم المرموز إليه «بنا» في قوله «فامتن عليها بنا». فنحن (العالم) نتيجة رحمة الامتنان التي رحم بها الحق الأسماء الإلهية لأنه بإيجادنا أوجدها، و إيجاد أي شي ء هو عين الرحمة به، لا فرق في ذلك بين ما هو خير و ما هو شر، و ما هو حسن و ما هو قبيح، و ما هو طاعة و ما هو معصية. فإن هذه كلها معان تضاف إلى مقولة الوجود لاعتبارات خاصة خارجة عن مفهوم الوجود ذاته. و الذي تتعلق به رحمة الامتنان هو الوجود من حيث هو وجود لا من حيث هو وجود شر أو خير أو وجود طاعة أو معصية. أما ظهور الأشياء في الوجود على النحو الذي هي عليه فمن رحمة الوجوب لا من رحمة الامتنان، لأن ظهور