فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٠٦ - الفص السادس عشر
هي مرادفة للوجود أو لمنح الوجود على سبيل المنة، و ليس لها أي صلة بمعاني الشفقة أو العطف أو العفو، و إن كنا نستطيع أن نقول في ضرب من التجوز ان الحق تجلى في صور الممكنات و خلع عليها وجوده شفقة منه بها و عطفاً منه عليها.
أما رحمة الوجوب فهي التي أوجبها الحق على نفسه في قوله: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ»، و في قوله: «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ إلخ». و قد يراد بها إحدى رحمتين:
الأولى: ما يمنحه الحق من الوجود للكائنات بحسب ما هي عليه في أعيانها الثابتة، فإن هذه الأعيان تطلب بمقتضى طبيعتها و ما جبلت عليه أن يكون وجودها على نحو خاص، و ليس للحق الا أن يمنحها ذلك الوجود لأنها توجب عليه ذلك إلخ. و ليس هذا الوجوب و هذه الضرورة إلا الجبرية التي أشرنا إليها فيما سبق.
(راجع الفص الثاني التعليق ٣ و الفص الخامس التعليق ٤ و ٦ و ٧ إلخ إلخ).
الثانية: ما يمنحه الحق من رحمته للعباد بحسب أفعالهم. و هذه أيضاً واجبة عليه لأن العدل يقتضيها. و هو مذهب المعتزلة. و إليه أشار بقوله: «فإنه كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ سبحانه ليكون ذلك للعبد- بما ذكره الحق من الأعمال التي يأتي بها هذا العبد- حقاً على اللَّه تعالى أوجبه له على نفسه يستحق بها هذه الرحمة».
و لكن لما كان منح اللَّه الخلق ما يستحقون سواء بحسب ما تقتضيه أعيانهم الثابتة أو بحسب ما تقتضيه أعمالهم، داخلًا تحت الفعل الإلهي الأعم و هو منح اللَّه الوجود لجميع الموجودات، لما كان كذلك، دخل الاسم الرحيم في الاسم الرحمن دخول تضمن كما يقول، و كان الاسم الرحمن هو الواهب الرحمة، أي واهب الوجود اطلاقاً سواء أ كان الوجود محض امتنان من الحق للخلق، أو حقاً عليه لهم.
و قد عولجت بعض نواحي هذه المسألة الهامة في شي ء من التفصيل فيما مضى.
راجع صلتها بمدح اللَّه لأفعال العبد و ذمها: الفص السابع: التعليق ٤، وصلتها