فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٠٥ - الفص السادس عشر
الأولى و هي «إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ» ليست جزءاً من كلام سليمان إلى بلقيس، بل هي إخبار منها لقومها بأنها أُلْقِيَ إليها كتاب من سليمان. أما أول الكتاب فهو «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ».
و من الناس من يعتبر الجملة الأولى جزءاً من كتاب سليمان إلى بلقيس و يلتمس لسليمان عذراً في تقديم اسمه على اسم اللَّه و لا يعد ذلك جهلًا من الرسول، بل عملًا قصد به إلى غاية خاصة، و ذلك أن سليمان لما علم أنه ليس من عادة الملوك الاحتفاء برسالات الأنبياء و لا تكريم حامليها، بل لقد يدفعهم الشطط في امتهانها و تحقيرها إلى تمزيقها أو إحراقها أو التمثيل بها أي نوع من أنواع التمثيل كما فعل كسرى بكتاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، لما علم سليمان كل ذلك، قدم اسمه على اسم اللَّه لكي يعرض اسم هو أولًا لمثل هذه الاهانة إن وقعت. و هذا تعليل في نظر ابن عربي في غاية الضعف، إذ لو كان في نية بلقيس أن تمتهن كتاب سليمان بالإحراق أو التمزيق لأصابت هذه الاهانة كل ما فيه، و لما منعها من فعلها تقديم أحد الاسمين على الآخر.
(٣) «فأتى سليمان بالرحمتين: رحمة الامتنان و رحمة الوجوب اللتان هما الرحمن الرحيم».
(٣) على هذين الاسمين الإلهيين: الرحمن و الرحيم الوارد ذكرهما في كتاب سليمان إلى بلقيس، و الواردان أيضاً في فاتحة كل سورة من سور القرآن الكريم بنى ابن عربي فكرة فلسفية من أخصب الأفكار في مذهبه. و ليس بين الاسمين من الناحية اللغوية كبير فرق، و لكنهما يستعملان في اصطلاحة الخاص للدلالة على «الحق» باعتبارين مختلفين تمام الاختلاف. فالرحمن هو واهب رحمة الامتنان، و الرحيم هو واهب رحمة الوجوب. و رحمة الامتنان هي الرحمة العامة الشاملة لجميع الخلق، و ليست إلا منح كل موجود وجوده على النحو الذي هو عليه في غير مقابلة أو عوض. فهي الرحمة التي أشار اللَّه إليها في قوله: «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ»،