فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٨ - الفص الرابع عشر
نفسه بالغضب و الرضا بل و سائر الأسماء الإلهية المتقابلة. و المراد بالغضب هنا جملة الصفات الإلهية التي يسميها الصوفية «صفات الجلال»، و بالرضا جملة الصفات التي يسمونها «صفات الجمال». و كلا النوعين يتصف به الحق من حيث صلته بالخلق أو بالعالم.
و قد ذكرنا أن كل ما يظهر في الوجود إنما يظهر بالصورة التي تقتضيها عينه الثابتة. فمن الموجودات ما تتجلى فيه جميع الصفات الوجودية كالإنسان الكامل، و منها ما هو دون ذلك كسائر بني الإنسان، و منها ما هو على حظ من الوجود أدنى من ذلك كالحيوان و النبات و الجماد. و من الخلق من تصدر أفعاله موافقة لأوامر الشرع، و منهم من يخالفه. و كذلك منهم من قدر له أن يفعل ما يسميه العرف خيراً و من يفعل ما يسميه العرف شراً و هكذا. و هذه تفرقة نجدها في الديانات المنزلة جميعها، و نجد أن الحق قد وصف نفسه بالرضا بالاضافة إلى نوع من الخلق و بالغضب بالاضافة إلى نوع آخر. و لكن «الحق» كما يتصوره ابن عربي ليس ذلك الإله الذي يغضب و يرضى و يحب و يكره كما تتحدث عنه الأديان، لأنه ليس «شخصية» تتجمع فيها هذه الصفات، و إنما هو الوجود كله، أو هو باطن الوجود و العالَمِ ظاهره. لم يبق إذن إلا أن نقول إن هذه الصفات إن هي إلا أسماء تعبر عن نسب أو إضافات بين الحق و الخلق من وجهة نظر خاصة هي وجهة نظر الدين. فإذا أتى الإنسان معصية مثلًا اقتضى ذلك- من ناحية الدين- عقابه و غضب اللَّه عليه. و لكن ابن عربي لا يقول بالعقاب، و لا بغضب اللَّه إلا من ناحية أنه مجرد اسم أطلق عليه. بإزاء العبد العاصي. إن منطق مذهبه في الجبر لا يسمح إلا بهذا و إلا تناقض مع نفسه، فإن العالم الذي تصور كل ما يجري فيه خاضعاً لطبيعة وجوده لا يمكن أن يكون به متسع لغضب اللَّه و رضاه. و قد صرح نفسه بذلك في الفص السابع عند ما قال: و السعيد من كان عنده مرضياً، و ما ثَمَّ إلا من هو مرضي عند ربه (أي الاسم الذي يتجلى فيه). قارن التعليق الرابع على هذا الفص.