فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٥١ - الفص الثاني عشر
(١٢) الضمير في أنه يعود على الإنسان، و لكن الأمر ليس قاصراً على الإنسان، بل شاملًا للوجود كله: إذ كل شي ء في ترق دائم من حيث إنه في خلق متجدد في كل آن، و الخلق الجديد إظهار للحق فيما لا يتناهى من صور الممكنات التي يتحقق فيها وجوده. فإذا نظرنا إلى الخلق من ناحية الحق، قلنا إن الحق «ينزل» إلى أعيان الممكنات و يتجلى فيها، و إذا نظرنا إليه من ناحية الممكنات نفسها و إظهارها للحق، قلنا إنها «تصعد» أو «ترقى» إليه. و لا تزال الممكنات في هذا النوع من الترقي نحو الحق لأن الحق لا يزال يتجلى لها في مختلف صورها.
و هو بتجليه لها أو فيها يظهر وجوده و يتحقق، و هي بقبولها ذلك التجلي يتحقق وجودها فيه.
فالترقي المذكور إذن هو التجلي الإلهي في الصور، و هو فيض الوجود الدائم من الحق إلى الخلق، سواء في هذه الدار أو في الدار الآخرة- لا بداية له و لا نهاية: هو الفيض المقدس الذي أشرنا إليه سابقاً. و لكنه فيض يختلف اختلافاً جوهرياً عن الفيض الذي يتحدث عنه أفلوطين، لأن الفيوضات الأفلوطينية و إن كانت ترجع إلى أصل واحد، ليست هي هذا الواحد و لا مظهراً من مظاهره كما أنها لا تلحقه أبداً و لا ترد إليه بحال. و التجليات عند ابن عربي هي الحق نفسه مهما اختلفت صورها.
أما ما ذكرناه من هذه الدار و الدار الآخرة فليس لهما معنى عنده إلا حال ظهور الموجودات في صورة ما و حال اختفاء هذه الصورة. فالدار الآخرة موجودة في هذا العالم، بل موجودة في كل آن بالنسبة إلى كل موجود. هي جزء من ذلك الزمان الأزلي الذي تظهر فيه صور الموجودات و تختفي على الدوام.
(١٣) «لكن عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات و هي الأعراض، و عثرت عليه الحسبانية في العالم كله».
(١٣) بعد أن فسر «الخلق» بأنه محض ظهور الحق في صور أعيان الممكنات على