فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٠١ - الفص الثامن
أما ابن عربي فقد فسر هذه الآية تفسيراً مختلفاً تماماً عن تفسير أي مسلم قبله: فهو يرى:
أولًا: أن الرهبانية التي يقول إنها «النواميس الحكمية»، معتبرة عند اللَّه شأنها شأن الدين.
ثانياً: أن اللَّه جعل في قلوب الذين ابتدعوها تعظيم ما ابتدعوه.
ثالثاً: أنهم رعوها- و أنهم ما رعوها حق رعايتها إلا ابتغاء رضوان اللَّه.
رابعاً: أن اللَّه آتى الذين آمنوا (أي بها) أجرهم- و كثير منهم «فاسقون» أي خارجون عن الانقياد إليها و القيام بحقها.
(٤) «و معقول العادة أن يعود الأمر بعينه إلى حاله، و ليس هذا ثَمَّ».
(٤) لما فسر «الجزاء» بأنه «عادة» بمعنى أنه ما يعود على العبد من خير أو شر بحسب ما تقتضيه أحوال عينه الثابتة، أراد ألا يفهم من العادة معنى التكرار في هذا المقام، فقال إن العادة امر يعود بعينه إلى حاله: أي أمر يتكرر و ليس هذا حاصلًا فيما نتحدث عنه: أي في «الجزاء» على رأي القيصري و جامي و بالي: أو في «الدين» على رأي القاشاني: فليس في «الدين» تكرار أصلًا إذا فهمنا الدين بمعنى أنه تجلي الحق الدائم في صور الموجودات: فإن هذه الصور في تغير مستمر، و كل تجلٍ في صورة غيره في الصورة الأخرى. فالجوهر الواحد يظهر في ما لا يتناهى من الصور و يلبس في كل مظهر ثوباً جديداً، و لا شي ء في الوجود يعيد نفسه أو يتكرر أصلا فإن الصور أو الاعراض كما تقول الأشاعرة لا تبقى زمانين. هذا هو «الخلق الجديد» الذي يشرحه ابن عربي في الفص السادس عشر.
و ليس في «الجزاء» تكرار إذا فهمنا الجزاء بمعنى أنه ما يعطيه الحق لأعيان الموجودات مما تقتضيه طبيعة هذه الأعيان ذاتها. و إذا كان ما يظهر من صفات الوجود في عين من الأعيان مختلفاً عما يظهر منها في عين أخرى لاختلاف مقتضيات