شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٠٥ - الفصل الرابع في التوبيخ على المعصيّة من غير سبب،و الأمر بالتعصّب في محلّه
داعيته و شهوته لفعلها كان لذلك الاستبعاد سببيّة بوجه ما للمعصية،و لمّا كان ذلك الاستبطاء أطلق عليه إطلاقا لاسم الجزء على الكلّ فيكون التهديد و التوبيخ عليه أبلغ،و لأنّ الّذي يقدم على المعصية مع علمه بما يستلزمه من الإعداد لنزول العذاب يناسب في الحقيقة من يستبطىء العقوبة و يطلب تعجيلها بفعله و كانوا بمعصيتهم كالمستبطئين للوعيد فأطلق في حقّهم لفظة الاستبطاء و نهاهم عنه .و نصب جهلا و تهاونا و بأسا على المفعول له لصلوح الثلاثة عللا غائيّة لاستبطاء الوعيد بمعنى استبعاده لأنّ جهل العبد بكيفيّة أخذه تعالى له بالموت و أهواله و شدائد الآخرة ممّا يستبعد معه وقوع تلك الامور في حقّه كما هى.و كذلك تهاونه ببسطه و إملائه لعدم علمه بما في ذلك البسط من الاستدراج ممّا يحمله على استبعاد وعيده،و بعزمه بالمعصية و كذلك يأسه من بأسه بسبب ذلك الجهل و ذلك البسط ممّا يحمله على ذلك الاستبعاد أيضا .
[و قوله:و إنّ اللّه.إلى قوله:التناهى.]
و قوله: و إنّ اللّه .إلى قوله: التناهى .
تنبيه لهم على أنّ لعنة اللّه للقرن الماضى بين أيديهم قبل الإسلام كان لازما مساويا لتركهم الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر منحصرا فيه،و كانت لعنته لسفهائهم و ناقصى عقولهم لركوبهم المعاصى المنكرة،و أمّا للحكماء منهم و لذوى العقول فلعدم إنكارهم و تناهيهم عمّا يشاهدونه من ذلك المنكر.و ذلك اللعن في قوله تعالى «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ عَلىٰ لِسٰانِ دٰاوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمٰا عَصَوْا وَ كٰانُوا يَعْتَدُونَ» ١و كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه .و نبّههم بقوله: ألا و قد قطعتم قيد الإسلام .إلى قوله: أحكامه .على أنّهم من جملة من اتّصف بذلك الملزوم أعنى ترك الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و ركوب المعاصى فلزمهم الدخول في زمرة من لعنه اللّه بذلك الترك،و غاية هذا الشبه الجذب عن ركوب المعاصى إلى الانتهاء و التناهى عنها. استعارة و استعار لفظ قيد الإسلام للالفة و الاجتماع عليه و على امتثال أوامر اللّه فيه باعتبار كون ذلك حافظا للإسلام عليهم و مانعا له من التشرّد
١) ٥-٨٢.