شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٢٧ - عهده عليه السّلام إلى محمّد بن أبى بكر لمّا قلّده مصر
الموائد و المزايا في الزينة و الحاجة كيف يرضى بسياقتهم إلى الهلاك الأبدىّ بل إذا أراد اعتبارا في هذا الباب علم أنّه تعالى هيّأ لأكثر الخلق أسباب السعادة في الدنيا حتّى كان الغالب على أكثرهم الخير و السلامة سنّة اللّه الّتي قد خلت في عباده و علم أنّ الغالب في أمر الآخرة ذلك أيضا لأنّ مدبّر الدنيا و الاخرة واحد و هو اللطيف بعباده و هو الغفور الرحيم،و حينئذ تكون الملاحظات و الاعتبارات مستلزمة لحسن الظنّ و باعثة على الرجاء.و من هذه الاعتبارات النظر في حكمة الشريعة و سببها و مصالح الدنيا،و وجه الرحمة على العباد بها،و بالجملة أن يعتبر صفات الرحمة و اللطف.و أمّا في الخوف فأقوى أسبابه أن يعرف اللّه تعالى و صفات جلاله و عظمته و تعاليه و سطوته و استغناه،و أنّه لو أهلك العالمين لم يبال و لم يمنعه مانع،و كذلك ساير اعتبارات الصفات الّتي يقتضى العنف و إيقاع المكاره كالسخط و الغضب،و لذلك قال تعالى «إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ» ١و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
أنا أخوفكم للّه.و بحسب اشتداد المعرفة بتلك الاعتبارات يكون حال الخوف و احتراق القلب ثمّ يفيض أثر ذلك على البدن فيحصل التحوّل و الصغار و الغشية و الرعقة و الرعدة على الجوارح فيكفّها عن المعاصى و يقيّدها بالطاعات استدراكا لما فرّط منه في الصفات فيفيد قمع الشهوات و تكدير اللذّات،و لاحتراق القلب بالخوف يحصل له ذبول و ذلّة يفارقه معها كثير من الرذائل كالكبر و الحسد و الحقد و البخل و غيرها.ثمّ إنّ الجمع بينهما يستلزم كثيرا من الفضائل،و ذلك أنّ معرفة اللّه تعالى و اليقين به إذ حصل هيّج الخوف من عقابه و الرجاء لثوابه بالضرورة،و هما يفيدان الصبر إذ حفّت الجنّة بالمكاره فلا صبر على تحمّلها إلاّ بقوّة الرضا،و حفّت النار بالشهوات فلا صبر على قمعها إلاّ بقوّة الخوف.و لذلك قال علىّ عليه السّلام:من اشتاق إلى الجنّة سلّى عن الشهوات،و من أشفق من النار رجع عن المحرّمات.ثمّ يؤدّى مقام الصبر إلى مقام المجاهدة و التجرّد لذكر اللّه و دوام الفكر فيه و هى مؤدّية إلى كمال المعرفة المؤدّى إلى الانس المؤدّى
١) ٣٥-٢٥.