شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٢٦ - عهده عليه السّلام إلى محمّد بن أبى بكر لمّا قلّده مصر
لأصحابه:هذا حجر القى من شفير جهنّم فهو يهوى فيها منذ سبعين خريفا و الآن حين وصل إلى قعرها.و كان ذلك إشارة إلى منافق مات في ذلك الوقت و عمره سبعون سنة،و قد أشرنا إلى ذلك من قبل.و شدّة حرّها كقوله تعالى «قُلْ نٰارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا» ١و حدّة عذابها كقوله تعالى «كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا الْعَذٰابَ» ٢و كونه ليست بدار رحمة و لا يسمع لها دعوة كقوله تعالى «رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا مِنْهٰا» ٣الآية.إلى قوله «تُكَلِّمُونِ» و كونها لا تفرّج فيها كربة كقوله تعالى «فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ لاٰ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ» و قوله «وَ نٰادَوْا يٰا مٰالِكُ» إلى قوله «مٰاكِثُونَ» ٤.
الخامس:قوله :و ان استطعتم.إلى قوله:بينهما.أمر لهم بالجمع من شدّة الخوف من اللّه و حسن ظنّ به و هما بابان عظيمان من أبواب الجنّة كما علمته فيما سلف.ثمّ أشار إلى أنّهما متلازمان بقوله:فإنّ العبد.إلى قوله:خوفا للّه:
أى أنّ مقدار حسن ظنّ العبد بربّه مطابق و ملازم لمقدار خوفه منه و إنّ زيادته مع زيادته و نقصانه مع نقصانه.
و اعلم أنّه عليه السّلام لم يجعل أحدهما علّة للآخر بل هما معلولا علّة واحدة مساويا بها و هى معرفة اللّه.ثمّ لمّا كانت معرفة اللّه تعالى مقولة بحسب الشدّة و الضعف كان حسن الظنّ به و رجاؤه و شدّة الخوف منه أيضا ممّا يشتدّ و يضعف بحسب قوّة المعرفة و ضعفها إلاّ أنّ كلّ واحد منها يستند إلى ضعف من المعرفة و اعتبار خاصّ يكون هو مبدء القريب أمّا في حسن الظنّ و الرجاء فأن يلحظ العبد من ربّه و يعتبر جميع أسباب نعمه على خلقه حتّى إذا علم لطايفها في حقّهم ممّا هو ضروريّ لهم كآلات الغذاء،و ما لهم إليه حاجة كالأظفار،و ما هو زينة كتقويس الحاجبين و اختلاف ألوان العينين،و بالجملة ما ليس بضرورىّ علم أنّ العناية الإلهيّة إذا لم يقصر في أمثال هذه الدقايق حتّى لم يرض لعباده أن يفوتهم
١) ٩-٨٢.
٢) ٤-٥٩.
٣) ٢٣-١٠٩.
٤) ٤٣-٧٧.