شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٨٥ - الفصل الثالث شرح ما لزم الامم الماضية بالكبر و اختبار اللّه عباده ببيته الحرام
و أوضاعها منافية للكبر.إذ كان مدارها على تضرّع و خضوع و خشوع و ركوع.
و كلّ واحد من هذه الأجزاء بكيفيّاته و هيئاته موضوع على المذلّة و التواضع و الاستسلام لعزّة اللّه و عظمته و تصوّر كماله و تذكّر وعده و وعيده و أهوال الموقف بين يديه و كلّ ذلك ينافي التكبّر و التعظّم،و إلى ذلك أشار بقوله:تسكينا لأطرافهم و تخشّعا لأبصارهم.إلى قوله:تصاغرا،و نصب تسكينا و تخشيعا و تذليلا و تخفيضا و إذهابا على المفعول له،و العامل ما دلّ عليه قوله:
حرس.من معنى الأمر:أى حرسهم بهذه و أمرهم بكذا و كذا.و انتصب تواضعا و تصاغرا،و العاملان المصدران:تعفير،و التصاق.
فأمّا الزكاة فوجه منفعتها في دفع هذه الرذيلة أمران:
أحدهما:أنّها شكر للنعمة الماليّة كما أنّ العبادات البدنيّة شكر للنعمة البدنيّة،و ظاهر أنّ شكر النعمة مناف للتكبّر عن المنعم و الاستنكاف عن عبادته.
الثاني:أنّ من أوجبت عليه الزكاة يتصوّر قدرة موجبها و سلطانه و قهره على إخراجها فينفعل عن حكمه و ينقهر تحت أوامره مع تصوّره لغنائه المطلق و ذلك مناف لتكبّره و استنكافه عن عبادته.
كناية و أمّا مجاهدة الصيام فلما فيها من المشقّة الشاقّة و مكابدة الجوع و العطش في الأيّام الصيفيّة كما كنّى عنه عليه السّلام بقوله: و إلصاق البطون بالمتون من الصيام .و الإنسان في كلّ تلك الأحوال متصوّر لجلال اللّه و عظمته و أنّه إنّما يفعل ذلك امتثالا لواجب أمره و خضوعا تحت عزّ سلطانه،و ذلك مناف للكبر و الترفّع،و قد علمت ما في الصوم من كسر النفس الأمّارة بالسوء كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إنّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاريه بالجوع، و ذلك أنّ وسيلة الشيطان هى الشهوات و مبدء الشهوات و قوّتها مداومة الأكل و الشرب.و بتضييق مجاريه ينقهر و ينكسر نواجم وسوسته بالرذائل عن العبد،و يسكن حركات الأطراف الّتى مبدءها تلك الوساوس،و تخشع الأبصار،و تذلّ النفوس،و تنخفض القلوب.