شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٥٠
المدلول عليها بأعلامها المذكورة،و بالغاية المطلوبة من الخلق وصولهم إلى حضرة قدس اللّه طاهرين مجرّدين عن الهيئات البدنيّة الدنيّة مستمعين للكمالات الإنسانيّة النفسانيّة.
و اعلم أنّ الطاعة اسم لقصد تلك الأعلام و سلوك تلك المحجّة طلبا لتلك الغاية،و الضمير في قوله: يردها و يخالفها و عنها راجع إلى المحجّة و الأعلام الواضحة عليها،و ظاهر أنّ العقلاء هم الّذين يختارون ورود تلك المحجّة و يقصدون أعلامها و أنّ أدنياء الهمم يخالفون إلى غيرها فيعدلون عن صراط اللّه الحقّ و يحبطون في تيه الجهل و يغيّر اللّه بذلك نعمته عليهم و يبدّلهم بها نقمته في دار الجزاء .ثمّ لمّا أشار عليه بما أشار و أوضح له سبل السلامة و ما يلزم مخالفها من تغيير نعمة اللّه و حلول نقمته أمره أن يحفط نفسه بسلوك تلك السبل عمّا يلزم مخالفتها و العدول عنها من الامور المذكورة.ثمّ أعلمه بأنّ اللّه بيّن له سبيله و أراد سبيل طاعته المأمور بسلوكها.و هو في قوّة قياس صغرى ضمير من الشكل الأوّل أوجب عليه به سلوك تلك السبيل.و تقدير الكبرى:و كلّ من بيّن اللّه له سبيله الّتي أوجب عليه سلوكها فقد وجب عليه حفظ نفسه بسلوكها.
و قوله:و حيث تناهت بك امورك.فحسبك ما تناهت بك إليه.ثمّ فسّر ذلك الحيث الّذي أمره بالوقوف عنده و هو غاية الخسر:أى الغاية المستلزمة للخسر الّتي هي منزلة من منازل الكفر،و أخبره أنّه قد اجرى إليها و كفى بها غاية شرّ. استعارة بالكناية و إجرائه إلى تلك الغاية كناية عن سعيه و عمله المستلزم لوصوله إليها.
يقال:اجرى فلان إلى غاية كذا:أى قصدها بفعله.و أصله من إجراء الخيل للسباق.و لفظ الخسر مستعار لفقدان رضوان اللّه و الكمالات الموصلة إليه،و إنّما جعل تلك الغاية الّتي اجرى إليها منزلة كفر لأنّ الغايات الشرّيّة المنهىّ عن قصدها من منازل الكفّار و مقاماتهم فمن سلك إليها قصدا و بلغها اختيارا فقد لحق منازل الكفر و محالّه .