شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٨٠ - الفصل الثالث شرح ما لزم الامم الماضية بالكبر و اختبار اللّه عباده ببيته الحرام
حرّمه بحرمتى استوجب كرامتى و من أخاف أهله فقد أباح حرمتى و استحقّ سخطى، و أجعله بيتا مباركا يأتيه بنوك شعثا غبر اعلى كلّ ضامر من كلّ فجّ عميق يزجّون بالتلبية زجيجا و يعجّون بالتكبير عجيجا،من اعتمده لا يريد غيره و وفد إلىّ و زارنى و استضاف بى أسعفته بحاجته،و حقّ على الكريم أن يكرم و فده و أضيافه.تعمره يا آدم ما دمت حيّا ثمّ تعمره الامم و القرون و الأنبياء من ولدك امّة بعد امّة و قرنا بعد قرن.ثمّ أمر آدم إلى أن يأتي البيت الحرام فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول العرش.و بقى أساسه بعد طوفان نوح فبوّأه اللّه لإبراهيم فبناه.و لنرجع إلى المتن فنقول:إنّه كنّى بثنى أعطافهم نحوه عن التفاتهم إليه و قصدهم له.
[و قوله:فصار مثابة لمنتجع أسفارهم.]
و قوله:فصار مثابة لمنتجع أسفارهم.
أى مرجعا لما تنجع من أسفارهم:أى لطلب منه النجعة و الخصب كما قال تعالى «وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثٰابَةً لِلنّٰاسِ وَ أَمْناً» ١و كقوله تعالى «لِيَشْهَدُوا مَنٰافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ» ٢و ذلك أنّه مجمع الخلق و به يقام الموسم أيّام الحجّ فيكون فيه التجارات و الأرباح كما أشرنا إليه في الخطبة الاولى.و كذلك كونه غاية لملقى رحالهم:أى مقصدا.
[و قوله:تهوى إليه ثمار الأفئدة.]
استعارة مرشحة و قوله: تهوى إليه ثمار الأفئدة .
أى تميل و تسقط.و هوى الأفئدة ميولها و محبّتها إلاّ أنّه لمّا كان الّذي يميل إلى الشيء و يحبّه كأنّه يسقط إليه و لا يملك نفسه استعير لفظ الهوى للحركة إلى المحبوب و السعي إليه،و أمّا ثمار الأفئدة فقال بعض الشارحين:ثمرة الفؤاد سويد القلب.و لذلك يقال للولد:ثمرة الفؤاد.و أقول:يحتمل أن يكون لفظ الثمار مستعارا للخلق باعتبار أنّ كلاّ منهم محبوب لأهله و آبائه فهو كالثمرة الحاصلة لأفئدتهم من حيث هو محبوب لهم كأنّ أفئدتهم و محبّتهم له قد أثمرته من حيث إنّها أفادت تربيته و العناية به حتّى استوى إنسانا كاملا،و يحتمل أن يريد بثمار الأفئدة الأشياء المجبيّة المعجبة من كلّ شيء كما قال تعالى «يُجْبىٰ إِلَيْهِ ثَمَرٰاتُ كُلِّ شَيْءٍ» ٣و
١) ٢-١١.
٢) ٢٢-٢٩.
٣) ٢٨-٥٧.