شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٨١ - الفصل الثالث شرح ما لزم الامم الماضية بالكبر و اختبار اللّه عباده ببيته الحرام
وجه إضافتها إلى الأفئدة أنّها لمّا كانت محبوبة مطلوبة للأفئدة الّتي حصلت عن محبّتها كما تحصل الثمرة عن أصلها اضيفت إليها،و الإضافة يكفى فيها أدنى سبب و نحوه قوله تعالى «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّٰاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرٰاتِ » ١و لمّا استعار لفظ الهوى رشّح بذكر المهاوى إذ من شأن الهوى أن يكون له موضع .و عميقة صفة لفجاج كما قال تعالى «يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» ٢و وصف العمق له باعتبار طوله و الانحدار فيه من أعالى البلاد إلى مكّة،و وصف الجزائر بالانقطاع لأنّ البحر يقطعها عن سائر الأرض و البحار يحيط بها.و حتّى غاية من قوله:
تهوى.بمعنى اللام، كناية و كنّى بهزّ مناكبهم عن حركاتهم في الطواف بالبيت.إذ كان ذلك من شأن المتحرّك بسرعة .و ذللا:جمع ذلول.و النصب على الحال من الضمير في تهزّ.و قال بعضهم:يحتمل أن يكون من مناكبهم و كذلك موضع يهلّلون النصب على الحال و كذلك شعثا و غبرا من الضمير في يرملون. كناية و كنّى بنبذهم للسرابيل وراء ظهورهم عن طرحها و عدم لبسها و تشويههم بإعفاء الشعور محاسن خلقهم لأنّ حلق شعر المحرم أو نتفه و التنظيف منه حرام تجب فيه الفدية .و ظاهر أنّ إعفاء الشعور يستلزم تقبيح الخلقة و تشويهها و تغيير ما هو معتاد من تحسينها بحلقه و إزالته.
[و قوله:ابتلاء.و امتحانا.و اختبارا.و تمحيصا.]
و قوله:ابتلاء.و امتحانا.و اختبارا.و تمحيصا.
منصوبات على المفعول له.و العامل فيه قوله:أمر اللّه آدم،و يحتمل أن يكون على المصدر كلّ من فعله.و عدّد هذه الألفاظ و إن كانت مترادفة على معنى واحد تأكيدا و تقريرا لكون اللّه تعالى شدّد عليهم في البلوى بذلك ليكون استعدادهم بتلك القوى العظيمة للثواب أتمّ و أشدّ فيكون الجزاء لهم أفضل و أجزل فلذلك قال:جعله اللّه سببا لرحمته و وصلة إلى جنّته:أى سببا معدّا لإفاضة رحمة تستلزم الوصول إلى جنّته.و قد تأكّد بهذا المثال صدق قوله:و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظم كان الثواب أجزل.لأنّ اللّه سبحانه لمّا اختبر عباده بأمر الحجّ و مناسكه الّتي يستلزم شقاء الأبدان و احتمال المشاقّ الكثيرة المتعبة في الأسفار من المسافات
١) ١٤-٤٠.
٢) ٢٢-٢٨.