شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١٩ - الفصل الخامس في اقتصاصه لحاله،و الإشارة إلى قوّته في دينه
«الْأَقْرَبِينَ» ١ دعانى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أمرنى أن أصنع صاعا من طعام و أجعل عليه رجل شاة و أملأ له عسّا من لبن ففعلت ما أمرنى به.ثمّ أمرنى بجمع بنى عبد المطّلب فجمعتهم يومئذ و هم أربعون رجلا فيهم أعمامه أبو طالب و حمزه و العبّاس و أبو لهب فلمّا اجتمعوا دعا بالطعام الّذي صنعه فوضعه ثمّ تناول مضغة من لحم فشقّها بأسنانه ثمّ ألقاها فى نواحى الصحفة و قال:كلوا باسم اللّه فأكلوا حتّى ما بهم إلى شيء من حاجة.و الّذي نفس محمّد بيده كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمته لجميعهم.ثمّ قال اسق القوم يا علىّ.فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه حتّى رووا جميعا،و أيم اللّه كان الرجل الواحد ليشرب منه مثله.ثمّ قال لهم:يا بنى عبد المطّلب إنّي و اللّه ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة و قد أمرنى اللّه أن أدعوكم إليه فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخى و وصيّى و خليفتى فيكم فأحجم القوم عنها جميعا فقلت و إنّى لأحدثهم سنّا و أرمصهم عينا و أعظمهم بطنا و أحمشهم ساقا:أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك عليه فأعاد القول.فأمسكوا.و أعدت ما قلت.فأخذ برقبتى ثمّ قال لهم:هذا أخى و وصيّى و خليفتى فيكم فاسمعوا له و أطيعوا.فقام القوم يضحكون يقولون لأبي طالب:قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع .
التاسعة:كونه معه حين أتاه الملأ من
قريش و سألوه ما سألوا من دعوة
الشجرة
،و تصديقه عليه السّلام له في ذلك و ايمانه به.و قد علمت فيما سلف أنّ نفوس الأنبياء عليهم السّلام لها تصرّف في هيولى عالم الكون و الفساد فيستعدّ عن نفوسهم لقبول الامور الخارقة للعادات الخارجة عن وسع غيرهم من أبناء نوعهم.و صورة الحال في سؤالهم و كيفيّة دعوته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للشجرة و إجابتهم و تكذيبهم بذلك و تصديقه عليه السّلام له مستوفي في كلامه،و ذلك من قوله :و لقد كنت.إلى قوله:يعنوني.فأمّا حكمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّهم لا يفيئون إلى خير و أنّ منهم من يطرح في القليب و منهم من يحزّب الأحزاب فمن غيب اللّه الّذي اطّلعه عليه و ارتضاه له فعلمه بحسب قوّته الحدسيّة
١) ٣٦-٢١٤.