شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١٨ - الفصل الخامس في اقتصاصه لحاله،و الإشارة إلى قوّته في دينه
و الشيطان و كيفيّة رؤيته لصورته و أنّ ذلك باستعانة من النفس بالقوّة المتخيّلة في اقتناص المعاني المعقولة و حطّها إلى لوح الخيال مشاهدة للحسّ المشترك مسموعة.
و قد استلزمت هذه الإشارة أنّه عليه السّلام استعدّ لسماع صوت الشيطان في حزنه حين أيس من اتّباع الخلق له و انقيادهم لأمره و هو معنى عبادته إذ أصل العبادة الخضوع.
و كيفيّة ذلك أنّ نفسه القدسيّة أخذت معنى الشيطان مقرونا بمعنى اليأس و الحزن، و كسته المتخيّلة صورة حزين صارخ،و حطّته إلى لوح الخيال فصار مسموع الرنّة له.و يؤيّد ذلك قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين سأله عن ذلك :إنّك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى إلاّ أنّك لست بنبىّ.فإنّه شهد له في ذلك بالوصول إلى مقام سماع الوحى و كلام الملك و صوت الشيطان و سائر ما يراه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يسمعه ممّا قويت عليه نفسه القدسيّة إلاّ كونه نبيّا فإنّ مقام النبوّة لا يتحقّق للإنسان إلاّ بالشرط الّذي أشرنا إليه في المقدّمات و فرّقنا بين النبىّ و غيره من سائر النفوس الكاملة،و هو كون الإنسان مخاطبا من السماء بإصلاح أمر أبناء نوعه في معاشهم و معادهم و ذلك مقام أعلى و أكمل من كلّ مقام يبلغه إنسان بقوّته،و روى عن الصادق عليه السّلام أنّه قال:كان علىّ عليه السّلام يرى مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل الرسالة الضوء و يسمع الصوت، و قال له الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لولا أنّى خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوّة فإن لا تكن نبيّا فأنت وصىّ نبىّ و وارثه بل أنت سيّد الأوصياء و إمام الأتقياء.ثمّ لمّا نفى عنه مقام النبوّة جبره[أخبره ح]به مقام الوزارة إشارة إلى أنّه الصالح لتدبير أحوال الخلق في معاشهم و معادهم من ورائه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعده المعين له على ذلك.
ثمّ شهد له بأنّه على خير.و أشار به إلى ما هو عليه من الطريقة المحمودة و استقامة السيرة في خدمته و تربيته.و ذلك خير كثير.و في مسند أحمد بن حنبل عن علىّ قال:كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الليلة الّتي اسري به فيها و هو بالحجر يصلّى فلمّا قضى صلاته و قضيت صلاتى سمعت رنّة شديدة فقلت:يا رسول اللّه ما هذه الرنّة؟ و قال ألا تعلم هذه رنّة الشيطان علم أنّى اسرى اليلة إلى السماء فأيس من أن يعبد في هذه الأرض.و أمّا حديث الوزارة فروى أنّه لمّا نزل قوله «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ»