شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٧٨ - خطبة له عليه السّلام في التوحيد،و تجمع هذه الخطبة من اصول العلم ما لا تجمعه خطبة
فلا،و مذهب أكثر المحقّقين من علماء الإسلام يؤول إلى هذا القول.
[و قوله:و ليس فناء الدنيا.إلى قوله:اختراعها .]
و قوله: و ليس فناء الدنيا .إلى قوله: اختراعها .
رفع لما يعرض لبعض الأذهان من التعجّب بفناء هذا العالم بعد ابتداعه و خلقه بالتنبيه على حال إنشائه و اختراعه:أى ليس صيرورة ما خلق إلى العدم بقدرته بعد الوجود بأعجب من صيرورته إلى الوجود بعد العدم عنها.إذ كانت كلّها ممكنة قابلة للوجود و العدم لذواتها،بل صيرورتها إلى الوجود المشتمل على أعاجيب الخلقة و أسرار الحكمة الّتي لا يهتدي لها و لا يقدر على شيء منها أعجب و أغرب من عدمها الّذي لا كلفة فيه .
[و قوله:و كيف لو اجتمع.إلى قوله:إفنائها.]
و قوله:و كيف لو اجتمع.إلى قوله:إفنائها.
تأكيد لنفى كون عدمها بعد وجودها أعجب من إيجادها بالتنبيه على عظم مخلوقاته تعالى و مكوّناته و ما اشتملت عليه من أسرار الحكمة المنسوبة إلى قدرته.
و المعنى و كيف يكون عدمها أعجب و في إيجاده أضعف حيوان و أصغره ممّا خلق كالبعوضة من العجائب و الغرائب و الإعجاز ما يعجز عن تكوينه و إحداثه قدرة كلّ من تنسب إليه القدرة،و تقصر عن معرفة الطريق إلى إيجادها ألباب الألبّاء، و يتحيّر في كيفيّة خلقها حكمة الحكماء،و يقف دون علم ذلك و يتناهى عقول العقلاء،و ترجع خاسئة حسيرة مقهورة معترفة بالعجز عن الاطّلاع على كنه صنعه في إنشائها مقرّة بالضعف عن إفنائها.
فإن قلت:كيف تقرّ العقول بالضعف عن إفناء البعوضة مع إمكان ذلك و سهولته؟.
قلت:إنّ العبد إذا نظر إلى نفسه بالنسبة إلى قدرة الصانع الأوّل-جلّت عظمته-وجد نفسه عاجزة عن كلّ شيء إلاّ بإذن إلهىّ،و أنّه ليس له إلاّ الإعداد لحدوث ما ينسب إليه من الآثار.فأمّا نفس وجود الأثر فمن واهب العقل-عزّ سلطانه-فالعبد العاقل لما قلناه يعترف بالضعف عن إيجاد البعوضة و إعدامها،و ما هو أيسر من ذلك عند مقايسة نفسه إلى موجده و واهب كماله كما عرفت ذلك في