شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٠٦ - خطبة له عليه السّلام في الأمر بتقوى اللّه تعالى و الاستزاده للآخرة
المقصود بالخطاب الشرعيّ،و معتبرا:أى محلاّ للاعتبار و العلم،و ظاهر كون الموت و نزوله بهذه البنية التامّة الّتي احكم بنيانها و وضعت بالوضع العجيب و الترتيب اللطيف و هدمه لها واعظا بليغا يزجر النفوس عن متابعة هواها و معتبرا تقف منه على أنّ وراء هذا الوجود وجود أعلى و أشرف منه لولاه لما عطّلت هذه البنية المحكمة المتقنة و لكان ذلك بعد إحكامها و إتقانها سفها ينافي الحكمة كما أنّ الإنسان إذا بنى دارا و أحكمها و زيّنها بزينة الألوان المعجبة فلمّا تمّت و حصلت غايتها عمد إليها فهد مها فإنّه يعدّ في العرف سفيها عابثا.أمّا لو كان غرضه من ذلك الوصول إلى غاية يحصل بوجودها وقتا ما ثمّ يستغنى عنها جاز هدمها.فكذلك هذه البنية لمّا كانت الغرض منها استكمال النفوس البشريّة بالكمالات الّتي يستفاد من جهتها و هى العلوم و مكارم الأخلاق ثمّ الانتقال منها إلى عالمها جاز لذلك خرابها و فسادها بعد حصول ذلك الغرض منها.
و قوله :قبل بلوغ الغاية ما تعلمون.
عطف على قوله:قبل نزوله.
و قوله:من ضيق الأرماس.إلى قوله:الصفيح.
تفصيل لما يعلمونه من أحوال الموت و أهواله،و ظاهر أنّ القبور ضيّقة بالقياس إلى مواطن الدنيا،و أنّ للنفوس عند مفارقتها غمّا شديدا و حزنا قويّا على ما فارقته و ممّا لاقته من الأهوال التي كانت غافلة عنها،و أنّ لما أشرفت عليه من أحوال الآخرة هولا و فزعا تطير منه الألباب و في المرفوع:و أعوذ بك من هول المطّلع.
و إنّما حسن إضافة روعات إلى الفزع و إن كان الروع هو الفزع باعتبار تعدّدها و هى من حيث هى آحاد مجموع أفراد مهيّة الفزع فجازت إضافتها إليها. كناية و اختلاف الأضلاع كناية عن ضغطة القبر.إذ يحصل بسببها تداخل الأضلاع و اختلافها، و استكاك الأسماع ذهابها بشدّة الأصوات الهايلة و يحتمل أن يريد ذهابها بالموت.
و إنّما قال:خيفة الوعد،لأنّ الوعد قد يستعمل في الشرّ و الخير عند ذكرهما قال:و لا تعداني،الخير و الشرّ مقبل.فإذا أسقطوا ذكرهما قالوا في الخير:العدة