شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٤٥ - كلامه عليه السّلام في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات
ليسهل عليه خرق الهواء كما يجعل صدر السفينة بهذه الهيئة ليشقّ الماء،و خلق في جناحيه و ذنبه ريشات طوال لينهض بها إلى الطيران،و كسى جسمه كلّه ريشا ليتداخله الهواء فيقيله،و لمّا كان طعامه الحبّ أو اللحم يبلعه بلعا من غير مضغ نقص من خلقه الأسنان و خلق له منقارا صلبا،و أعانه بفضل حرارته في جوفه يستغنى بها عن المضغ.ثمّ خلقه تعالى يبيض بيضا و لا يلد لكيلا يثقل بكون الفراخ في جوفه عن الطيران،و جعل عوض استعداد الولد في البطن استعداده في البيضة بحرارة الحضن بمشاركة من الذكر و الانثى في ذلك،و من العناية اللإلهيّة بدوام نسله و بقائه أن ألهمه العطف على فراخه فيلتقط الحبّ فيغذو به فراخه بعد استقراره في حوصلته ليلين،و إذا فكّرت في الحوصلة وجدتها كالمخلاة المعلّقة أمامه فهو يعبّى فيها ما أراد من الطعم بسرعة ثمّ ينفذ إلى القانصة على مهل،و ذلك أنّ مسلك الطعم إلى القانصة ضيّق لا ينفذ فيه الطعم إلاّ قليلا فلو كان هذا الطائر لا يلتقط حبّة ثانية حتّى تصير الاولى إلى القانصة لطال ذلك عليه فخلق تعالى له الحوصلة لذلك.ثمّ انظر إلى الريش الّذي تراه في الطواويس و الدراريج و غيرها عن استواء و مقابلة على نحو ما يخطّ بالأقلام،و كذلك انظر إلى العمود الجامع للريشة الّذي يجرى مجرى الجدول الممدّ للريشة و المغذّى لها،و خلق عصبيّ الجوهر صلبا متينا ليحفظ الريش و يمسكه لصلابته.ف «سُبْحٰانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوٰاجَ كُلَّهٰا» ، «وَ أَحْصىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً» ،و «أَحٰاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً» .
و قوله :و أنشأ السحاب.إلى آخره.
إشارة إلى كمال قدرته باعتبار خلقه السحاب الثقال بالماء،و إرسال ديمها و هي أمطارها،و تعديد قسمها و هو ما يصيب كلّ بلد و أرض منها من القسم .
و ظاهر أنّه تعالى يعدّ الأرض بتلك البلّه بعد الجفاف لأن يخرج منها النبات بعد الجدب و إليه الإشارة بقوله تعالى «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا نَسُوقُ الْمٰاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعٰامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلاٰ يُبْصِرُونَ» ١
١) ٣٢-٢٧.