شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٥٤ - كلامه عليه السّلام في وصف السالك المحقّق إلى اللّه
لمعانه و اختفائه،و تلك اللوامع مسمّاة بالأوقات عند أهل الطريقة،و كلّ وقت فإنّه محفوف بوجد إليه قبله و وجد عليه بعده لأنّه لمّا ذاق تلك اللذّة ثمّ فارقها وصل فيه حنين و أنين إلى ما فات منها.ثمّ إنّ هذه اللوامع في مبدء الأمر تعرض له قليلا فإذا أمعن في الارتياض كثرت،فأشار باللامع إلى نفس ذلك النور، و بكثرة برقه إلى كثرة عروضه بعد الإمعان في الرياضة.و يحتمل أن يكون قد استعار لفظ اللامع للعقل الفعّال،و لمعانه ظهوره للعقل الإنسانىّ،و كثرة بروقه إشارة إلى كثرة فيضان تلك الأنوار الشبيهة بالبروق عند الإمعان في الرياضة، و قوله :فأبان له الطريق.
أى ظهر له بسبب ذلك أنّ الطريق الحقّ إلى اللّه هى ما هو عليه من الرياضة، و سلك به السبيل:أى كان سببا لسلوكه في سبيل اللّه إليه.
و قوله:و تدافعته الأبواب.
أى أبواب الرياضة،و هى أبواب الجنّة أعنى تطويع النفس الأمّارة،و الزهد الحقيقىّ،و الأسباب الموصلة إليهما كالعبادات و ترك الدنيا فإنّ كلّ تلك أبواب يسير منها السالك حتّى ينتهى إلى باب السلامة و هو الباب الّذى إذا دخله السالك تيقّن فيه السلامة من الانحراف عن سلوك سبيل اللّه بمعرفته أنّ تلك هى الطريق و ذلك الباب هو الوقت الّذي أشرنا إليه،و هو أوّل منزل من منازل الجنّة العقليّة.
و قوله:و ثبتت رجلاه.إلى قوله:و الراحة.
ففى قرار الأمن متعلّق ثبتت،و هو إشارة إلى الطور الثاني للسالك بعد طور الوقت و يسمّى طمأنينة و ذلك أنّ السالك ما دام في مرتبة الوقت فإنّه يعرض لبدنه عند لمعان تلك البروق في سرّه اضطراب و قلق يحسّ بها خلسة لأنّ النفس إذا فاجأها أمر عظيم اضطربت و تقلقلت فإذا كثرت تلك الغواشى ألفتها بحيث لا تنزعج عنها و لا تضطرب لورودها عليها بل تسكن و تطمئنّ لثبوت قدم عقله في درجة أعلى من درجات الجنّة الّتى هى قرار الأمن و الراحة من عذاب اللّه.