شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٩١ - كتابه عليه السّلام إلى معاوية جوابا عن كتاب منه إليه
معاوية سأل منه إقراره على إمرة الشام،و نقل عن ابن عبّاس أنّه قال له عليه السّلام:
ولّه شهرا و اعز له دهرا فإنّه بعد أن يبايعك لا يقدر على أن يعدل في إمرته و لا بدّ أن يجور فتعز له بذلك.فقال عليه السّلام:كلاّ «وَ مٰا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً» .و روى:
أنّ المغيرة بن شعبة قال له عليه السّلام:إنّ لك حقّ الطاعة و النصيحة أقرر معاوية على عمله و العمّال على أعمالهم حتّى إذا أتتك طاعتهم و تبعة الجنود استبدلت أو تركت.فقال عليه السّلام:حتّى أنظر فخرج من عنده ثمّ عاد إليه من الغد فقال:إنّي أشرت عليك أمس برأى و إنّ الرأى أن تعاجلهم بالنزع فيعلم السامع من غيره و يستقلّ أمرك ثمّ خرج من عنده.فجائه ابن عبّاس فأخبره بما أشار إليه المغيرة من الرأيين.فقال:أمّا أمس فقد نصحك و أمّا اليوم فقد غشّك.و قد كان الرأي الدنياويّ الخالص في حفظ الملك ذلك لكنّه عليه السّلام لمّا لم يكن ليتساهل في شيء من أمر الدين أصلا و إن قلّ و كان إقرار معاوية و أمثاله على الأعمال يستلزم العدول في كثير من تصرّفاتهم عن سبيل اللّه لا جرم لم ير إقراره على العمل،و منعه ما سأل.
و لمّا كان منعه أوّلا ممّا سأل منعا خالصا للّه عن مشاركة الهوى و الميول الطبيعيّة لم يكن سؤاله ثانيا و استعطافه إيّاه مقرّبا له إلى إجابته خصوصا و قد أحدث تلك الحروب الشديدة الّتى أخذت من العرب ما أخذت و قتل من المهاجرين و الأنصار و ساير العرب من قتل،بل أجابه بعين ما أجابه أوّلا من الردّ و المنع في قوله:
فلم أكن لاعطيك اليوم ما منعتك أمس.إذ العلّة في المنع قائمة في كلّ حين و زمان و هي المحافظة على دين اللّه .
الثالث:حفظ الرجال.
و التبقية على الأجناد لحفظ الإسلام و تقويمه أمر واجب فلا جرم استعطفه و استدرجه إلى التبقية عليهم بالتنبيه على ذلك بقوله:و قدو اللّه.إلى قوله:بقيت.فأجابه عليه السّلام ألا و من أكله الحقّ فإلى النار و هو كبرى قياس حذفت صغراه للعلم بها،و تقديرها:أنّ هؤلاء الأجناد الّذين قتلناهم إنّما قتلهم الحقّ:أى كان قتلهم بحقّ لبغيهم.و تقدير هذه الكبرى:و كلّ من قتله الحقّ فمصيره إلى النار فينتج أنّ مصير من قتل من هؤلاء إلى النار.ثمّ هذه النتيجة تنبيه