شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٣٣ - كلامه عليه السّلام في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات
بذلك لما يريد قوله و بيانه.ثمّ يشرع في تفصيله،و لمّا أراد عليه السّلام أن ينبّه على عظمة اللّه بتفصيل بعض مخلوقاته كالنمل و الجراد و نحوه أشار أوّلا إلى عظيم القدرة،و وبّج السامعين على إغفالهم الفكر فيها ليعلم أنّه يريد أن ينبّه على تفصيل أمر.ثمّ تلاه بالتنبيه على لطيف الصنع في صغير ما خلق و كيف أحكم خلقه و أتقن تركيبه على صغره و فلق له البصر و سوّى له العظم و لم يعيّن إلى أن استعدّت بذلك لتعظيم اللّه القلوب و أقبلت بإفهامها النفوس فتلاه بذكر النملة،و ذلك قوله: انظروا إلى النملة .إلى قوله: تعبا. و هيئتها:كيفيّتها الّتي عليها صورتها و صورة أعضائها،و ظاهر أنّ الإنسان لا يدركها بلحظ البصر إلى أن يعيد إليها بعناية،و لا يكاد عند مراجعة فكره و استدراك أوّله و باديه يعلم حقيقتها و كيفيّة خلقتها و تشريح أعضائها،بل بإمعان فيه و تدقيق لا بدّ أن ينظر في ذلك.و الباء في قوله:بمستدرك يتعلّق بتنال.
و لا ينبغي أن يفهم من قوله:و لا ينال بمستدرك الفكر:أى في صورتها الظاهرة الّتي يدركها البصر فربّما يسبق ذلك إلى بعض الأفهام لمكان العطف بل ما ذكرناه من شرح حقيقتها فإنّه ليس حظّ الفكر أن يدرك صورتها المحسوسة بالبصر بل أن يبحث عن عجائب صنعتها ليستدلّ بذلك على حكمة صانعها-جلّت عظمته-و محلّ قوله:لا تكاد تنال يحتمل أن يكون نصبا على الحال و العامل انظروا،و يحتمل أن يكون مستأنفا،و كيف في محلّ الجرّ بدل من النملة، و يحتمل أن يكون كلاما مستانفا و فيه معنى التعجّب.و كيف صبّت:أى القيت على رزقها و بعثت عليه بهداية و إلهام،و قيل:ذلك على العكس:أى صبّ عليها رزقها، استعارة و لفظ الصبّ مستعار لحركتها في طلبه ملاحظا لشبهها بالماء المصبوب.
فإن قلت:كيف جعل دبيبها على الأرض محلّ التعجّب و الفكر مع سهولته و وجوده لسائر الحيوان؟.
قلت:لم يجعل محلّ التعجّب هو دبيبها من حيث هو دبيب فقط بل مع الاعتبارات الاخر المذكورة فإنّك إذا اعتبرتها من حيث هى في غاية اللطافة ثمّ