شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٣٥ - كلامه عليه السّلام في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات
و لا عهد لذلك المنزل به فلا يلبث أن يقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة فتروم حملها فإذا أعجزتها بعد أن تبلى عذرا مضت إلى جحرها راجعة فلا يلبث الإنسان أن يجدها و قد أقبلت و خلفها كالخيط الأسود من أخواتها حتّى يتعاونّ عليها ليحملنها فأعجب من صدق شمّها لما يشمّه الإنسان الجائع.ثمّ انظر إلى بعد همّتها في ذلك و جرأتها على محاولة نقل شيء في وزن جسمها مائة مرّة و أضعافها،و ليس من الحيوان ما يحمل أضعاف وزنه مرارا كثيرة كالنملة.قال:و الّذي ينبّه على إعلامها لأخواتها و إشعارها بمثل ما أشرنا إليه قصّة سليمان عليه السّلام مع النمل حيث حكى القرآن الكريم عنها «قٰالَتْ نَمْلَةٌ يٰا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسٰاكِنَكُمْ لاٰ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمٰانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاٰ يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضٰاحِكاً مِنْ قَوْلِهٰا» ١فإنّ القول المشار إليه منها و إن لم يحمل على حقيقته فهو محمول على مجازه،و هو إشعارها لأخواتها بالحال المخوّفة للنمل من سليمان و جنوده.قال:و من عجيب ما يحكى عن النمل ما حكى عن بعض من يعمل الاصطرلاب أنّه أخرج طوقا من صفر من الكير بحرارته فرمى به على الأرض ليبرد فاشتمل على نملة فكانت كلّما طلبت جانبا منه لتخرج منعتها الحرارة فكانت مقتضى هروبها من الجوانب أن استقرّت ثم ماتت فوجدها قد استقرّت في موضع رجل البركار من نقطة المركز و ما ذاك إلاّ للطف حسّها و قوّة و همها أنّ ذلك الموضع هو أبعد الأمكنة عن الخطّ المحيط.قال:و من عجائبها إلهامها أنّها لا تعرض لجعل و لا جرادة و لا خنفساء و لا نحوها ما لم يكن بها خبل أو عقر أو قطع يد أو رجل فإذا وجدت شيئا من ذلك و ثبت عليها حتّى لو أنّ حيّة بها ضربة أو خدش ثمّ كانت من ثعابين مصر لو ثبت عليها الذرورة حتّى تأكلها،و لا تكاد الحيّة تسلم من الذرّ إذا كان بها أدنى عقر.و كلّ ذلك من الإلهامات الّتي إذا فكّر اللبيب فيها كاد أن يحكم بكونها أعلم بقوانين معاشها و تدبير أحوال وجودها من كثير من الناس فإنّ الإنسان قد تهمل ذلك التدبير فلا يضبطه،و يستمرّ فيه على قانون واحد.
١) ٢٧-١٨.