شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧٩ - الفصل الثالث شرح ما لزم الامم الماضية بالكبر و اختبار اللّه عباده ببيته الحرام
لأنّ ذوات الحافر ترسغ فيها و تتعب في المشى بها.قال الشارحون:و أراد بالخفّ و الحافر و الظلف دوابّها و هي الجمال و الخيل و الغنم و البقر مجازا إطلاقا لاسم الجزء على الكلّ أو على تقدير إرادة المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه،و أراد بكونها لا تزكو:أى لا تسمن و تزيد للجدب و خشونة الأرض،و الضمير في بها راجع إلى ما دلّ عليه أو عر من الموصوف فإنّه أراد بواد أوعر بقاع الأرض حجرا كما قال: «إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوٰادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ » .
[و قوله:ثمّ أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه]
و قوله:ثمّ أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه.
قد دلّ كلامه عليه السّلام على أنّ البيت الحرام كان منذ آدم عليه السّلام و التواريخ شاهدة بذلك.و قال الطبرى:روى عن ابن عبّاس أنّ اللّه تعالى أوحى إلى آدم لما اهبط إلى الأرض أنّ لى حرما حيال عرشى فانطلق فابن لى بيتا فيه ثمّ طف به كما رأيت ملائكتى تحفّ بعرشى فهنا لك استجيب دعاك و دعاء من تحفّ به من ذرّيّتك.فقال آدم:إنّي لست أقوى على بنيانه و لا اهتدى إليه.فبعث اللّه تعالى ملكا فانطلق به نحو مكّة فكان آدم كلّما رأى روضة أو مكانا يعجبه سأل الملك أن ينزل به هنالك لتبنى فيه فيقول له الملك:ليس هاهنا.حتّى أقدمه مكّة فبنى البيت من خمسة جبال طور سيناء و طور زيتون و لبنان و الجودىّ،و بنى قواعده من حرّاء.فلمّا فرغ من بنيانه خرج به الملك إلى عرفات و أراه المناسك كلّها الّتى يفعلها الناس اليوم،ثمّ قدم به مكّة و طاف بالبيت اسبوعا،ثمّ رجع إلى أرض الهند.و قيل:إنّه حجّ على رجليه إلى الكعبة أربعين حجّة.و روى عن وهب بن مبنّة أنّ آدم دعا ربّه فقال:يا ربّ أما لأرضك هذه عامر يسّبحك فيها و يقدّسك غيرى؟فقال له تعالى:إنّى سأجعل فيها من ولدك من يسبّح بحمدى و يقدّسنى،و سأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى يسبّحنى فيها خلقى و يذكر فيها اسمى،و سأجعل من تلك البيوت بيتا اختصّه بكرامتى و اوثره باسمى فاسميّه بيتى و عليه وضعت جلالتى و عظّمته بعظمتى،و أنا مع ذلك في كلّ شيء و مع كلّ شيء،أجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله و ما حوله و من تحته و من فوقه فمن